في الطريق الصحراوي الّذي يبدد خطوات النافذة إلى حيث يحاول القمر أن يستريح من عناء رحلته المريرة في ذاك الفضاء مترامي الأطراف، والّذي من المفترض أن يضمنا جميعاً دون جراح، أو هذا ما افترضته خوفاً أو ضعفاً، وأنا أحاول التحليق في رحابه للحيلولة دون انفجار صاروخ أشعث الشعر، يبدد صمت المدينة بمزيد من العدم، الّذي لطالما أخافني في صغري، وكنت أسأل القمر عنه وعن الحكمة من ضم الصغار إلى مُلكه كلما سنحت له الفرصة بذلك!.
وكان القمر يُظهر دمعه لكلّ من يقاسمني العتب والعزاء، ويعزي السبب إلى «العقارب» جيش العدم السّري، الّذي سرق -ذات ليلٍ- من كان يشاركني مقعد الدرس، وساحة الدحاحل، والكثير الكثير من صدر أميّ، ثم تركني وحيداً دون ندٍ.. ووحيداً وحيداً بقيت أصارع السؤال حتى مفرق الشيب:
-لماذا يموت الصغار؟!.
-في تصريح للمدير التنفيذي لـ«اليونيسيف» «أنتوني ليك» يقول: لم يسبق في ذاكرتنا الحديثة أن تعرض هذا العدد من الأطفال لمثل هذه الفظائع.. (15 مليون طفل) يعانون من النزاعات العنيفة في جمهورية إفريقيا الوسطى والعراق وجنوب السودان وفلسطين وسورية، وأصبح الكثير منهم بفعل الصراعات نازحين أو لاجئين.
وفي تقرير آخر لـ«اليونيسيف» يشير إلى أن الأطفال هم هدف خصب للتجنيد في صفوف الجماعات الإرهابية، وأن 50% من الأطفال الّذين تجندهم تلك الجماعات المسلحة في سورية هم تحت سن الخامسة عشرة من العمر، وأن «داعش» يجند الأطفال في مئة دولة في العالم!.
-أسأل القمر من جديد!
صاروخ مغرم بعويل الأمهات يبدد صمت المدينة.. أتابع السير في الطريق الصحراوي، أستعين بعيون هاتفي الجوال: -الحمد لله.. لا يوجد ضحايا، مجرد خسائر مادية.. شراسة الحرب لا تكمن في تخريب معالم المدن فحسب، بل تتجلى بشاعتها في تخريب النفوس، وتعكير المستقبل، وإفساد الأجيال اللاحقة، والأطفال هم أكثر ضحايا الحروب تأذياً، فهم يفقدون براءتهم، وتتشوه القيم الجمالية في أعينهم وهم يشاهدون المناظر المرعبة للطرق الصحراوية وقد أحاطت بهم من كلّ الجهات.
صاروخ آخر.. وآخر.. وآخر.. ومع كلّ دوي يتبدد من جديد صمت المدينة، وتتوثّب بنا النوافذ للحاق بالقمر.
-أيّها القمر.. أسألك الآن كما لو كنت ذاك الطفل الذي عرفت.. أسألك عن جيش العدم السري، عن «اليونيسيف», عن الإحصائيات متعددة الأهداف، عن الموت، عن القتيل، عن أسماء الضحايا التي تاهت بهم الأمواج، عن أسواق النخاسة، عن أعضاء الأطفال، عن دكاكين الاغتصاب، عن عروش العقارب، عن ملوك الأرض، عن القديسين، عن الشياطين، عن البشر؟!.
يقول الكاتب والروائي الإيطالي «آري دي لوكا»: ليس للقديسين وجود، ولا حتى للشياطين.. يوجد البشر الذين يرتكبون الشرور أكثر من أن يفعلوا الخير, وإنّ كانت كلّ الأوقات ملائمة لفعل الخير فإن الشر يحتاج إلى فرصة سانحة، ويجد في الحرب المناسَبة الأفضل، لأنها تسمح له بالتفشّي.
ملاحظة: تزامنت كتابة هذه الزاوية مع تحرير بلدة «عقيربات» من العقارب الوهابية التي كانت تطلق الصواريخ على مدينة سلمية عبر سنوات البرد الطويلة الماضية، وتزامن مع كتابتها أيضاً: تحرير مدينة دير الزور من كلّ ما كان يُخجل القمر أثناء سيره في الطريق الصحراوي السحيق.
fatehkalthoum@gmail.com

print