فيما مضى من الأيام، كانت صناعة الحلويات منزلياً ولاسيما المعمول والكعك والكليجة والكرابيج على اختلاف أنواعها قبيل العيد طقساً من الطقوس التي اعتادها السوريون، تدريجياً ومع مرور الوقت وانتشار الحلويات الجاهزة بأشكالها وأنواعها المختلفة خف الاهتمام بذلك الطقس وأصبح يقتصر على من لهم مزاج في عمل الحلويات المنزلية.. واستمر الوضع على Wهذه الحال إلى أن بدأت آثار الحرب وتبعاتها الاقتصادية بالانعكاس على الأسرة السورية التي وجدت أغلبيتها في العودة إلى صناعة الحلويات في البيت حلاً بديلاً يدخل الفرح والسرور إلى قلب أفرادها ويخفف عنها عبء شراء الحلويات العربية من السوق التي حلقت أسعارها بشكل خيالي.
تقول أم حسام وهي موظفة: ثمن كيلو البقلاوة تجاوز العشرة آلاف ليرة سورية، وأنا بهذا المبلغ تمكنت من صنع معمول في المنزل «بيكفي الحارة كلها».
على أرض الواقع
فكرة تلك السيدة لم تكن فردية، وسوق البزورية يشهد على ذلك، ففي جولة لـ «تشرين» هناك وجدنا أن حركة السوق تشهد إقبالاً كثيفاً على شراء المواد الأولية للمعمول من طحين وسمنة وسكر وجوز وكاجو مكسر وراحة وغيرها من المواد المستخدمة في الحشوة التي باتت تتفنن بها ربات البيوت كل بحسب قدرته المادية طبعاً.. يذكر أبو محمد وهو تاجر قديم في السوق إن حركة البيع هذه الأيام وبخاصة لمواد المعمول وغيره من الحلويات التي تصنع في البيوت أعادت الحياة للسوق الذي امتلأت دكاكينه ومحاله بالمواد والبهارات والتوابل استعداداً لاستقبال زواره الفرحين.
وفي حديث مع سيدات وقفن أمام المحل وقد حجزن دوراً لشراء مواد المعمول تخبرنا أم سماح, وهي المهجرة من ريف حلب, باللمة المميزة التي تقيمها في هذه الأيام مع جاراتها المهجرات من مناطق مختلفة، حيث يبدأ العمل بجو حميمي تستذكرن فيه الطقوس والعادات في بلداتهن وقراهن، فهذه تتحدث عن كعك العيد والمعمول في حلب، وتلك تحكي عما يميز ضيافة العيد في الغوطة الشرقية، وأخرى من إدلب تحرص على صنع الكعك المالح لأنه شكل من أشكال ضيافة العيد هناك وتطول السهرة حتى الصباح فتنتهي عجينة المعمول والكعك ولا ينتهي شريط الذكريات الجميلة منها والمؤلمة التي خلفتها الحرب الظالمة.
وتضيف: يبدأ العمل بتحضير العجينة لكل نوع من الحلويات على حدة, ثم بعد ذلك يعلو صوت طرق قوالب المعمول وتفوح رائحة السكر والسمنة في البناء كله، وبينما تقوم إحدى المشاركات بترتيب الصواني على الأرض لوضع الحلويات بها قبل إدخالها الفرن، تتناوب البقية على إدخال وإخراج الصواني من الفرن وصف المعمول بطريقة جميلة وأنيقة وبالطبع كل ذلك يترافق مع دندنة للأغاني الجميلة لتخفيف الجهد والتعب.
يبقى الأرخص
بعد جولة طويلة في سوق الجزماتية الذي يشتهر بالحلويات العربية، وصدمتها بالأسعار الكاوية، قررت سناء وزوجها شراء البرازق والغريبة رغم غلائها من هناك فيما ستقوم هي بصناعة المعمول، وبذلك سوف تستغني عن الشوكولا وغيرها من ضيافة العيد التي كانت تحرص على شرائها قبل الأزمة أو في بدايتها، تقول سناء وهي ربة منزل وموظفة: حتى شراء المعمول بات أمراً صعباً فسعره مرتفع جداً، ولا يقل ثمن الكيلو عن 4000 ليرة للمحشو بالفستق الحلبي أو الجوز، وطبعاً لا يكفي كيلو واحد للعائلة في أيام العيد، صحيح أن المعمول في البيت متعب ولكنه أقل تكلفة ويمكن التحكم بمواد الحشوة كالراحة والعجوة، وهو رأي اتفقت به مع سهاد الخير التي قررت إعادة تجربة العام الماضي في تحضير المعمول في البيت ورغم أنه أصبح, كما أشارت, مكلفاً أيضاً، بسبب ارتفاع أسعار مكوناته الأولية والحشوة ولكنه يوفر كمية كبيرة تكفي الضيوف والأسرة معاً.
بدورها أكدت أم طارق أنها لن تتخلى عن صنع الحلويات في المنزل فالعيد لا يكتمل من دون المعمول، منوهة بأن تغيير المحتوى يساعد في تقليل التكلفة، حيث يمكن استبدال الجوز والفستق، بالعجوة أو التمر والراحة ومربى النانرج وبذلك تنخفض التكلفة وتصبح متناسبة مع الأسر متوسطة الحال، وأضافت: كثيرة هي الطقوس التي غابت عن العيد خلال سنوات الحرب وما خلفته من منغصات بسبب موجة الغلاء المتوحشة، ولذلك علينا المحافظة على صناعة المعمول لأنه الشيء الوحيد الذي يذكرنا بالعيد.
ختام جولتنا كان في جرمانا مع عبير شعبان موظفة وأم لثلاثة أولاد حيث قالت: في كل عام تدعوني أختي لمشاركتها في صناعة المعمول والغريبة والبرازق وجوابي كان الرفض فما كنت أدخره للعيد يكفي لشراء نوع من أنواع حلويات العيد، ولكن هذا العام وفي ظل ارتفاع الأسعار قررت صنع المعمول معها بمشاركة الأولاد وحقيقة رغم التعب الذي أصابنا فإن التجربة كانت ممتعة ومع رائحة المعمول ومذاقه الساخن وصوت ضحكات الأولاد ضاع التعب وشعرنا بفرحة العيد.
بلغة الأرقام
خلال جولتنا في الأسواق حاولنا رصد أسعار مكونات إعداد المعمول في المنزل، فكانت كالتالي: كيلو السمنة الحيواني 3600 – 4000 ليرة، أما النباتي فبدءاً من ألف ليرة، كيلو الفستق الحلبي 9000 ليرة، كيلو الفستق العجمي 8000 ليرة، كيلو الطحين 300 ليرة، كيلو السكر 300 ليرة، كيلو العجوة 1000 ليرة، كيلو الجوز يبدأ من 5500 ليرة، أما الراحة ومربى النارنج وجوز الهند فأسعارها مقبولة نوعاً ما، وبحسبة بسيطة على رأي أهل الاقتصاد فإننا نجد أن الأمر مكلف مادياً ولكنه يخلق جواً اجتماعياً وفيه إحياء لطقس جميل من طقوس عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الجميع بالخير والبركة.

print