يعيش العالم أحداثاً متسارعة لا تخلو من العنف والإرهاب، وهو ما يشكل ضغطاً نفسياً على المجتمع بأسره ومنها الأسرة، التي لا تود أن يحيا طفلها في جو من الخوف والتوتر، لذلك هناك الكثير من الأسر التي تصيبها الحيرة بشأن كيفية إيصال ما يدور في سورية للطفل الذي يبحث عن حقيقة ما يجري، من خلال طرحه الكثير من الأسئلة الصعبة التي تشغل باله فيما يخص أعمال الإرهاب، والتي بدورها تشكل هاجساً كبيراً عند الأهل، الذين يلجؤون في الكثير من الأحيان إلى إخفاء الحقيقة اعتقاداً منهم أنها الطريقة المثلى لتحييد الطفل عن هذه الأحداث المؤلمة وإبعاده عن هذا الجو المشحون.
الكثير من الأسئلة تشغل بال الأهل والمهتمين بشؤون الطفل، منها كيف تقاوم الطفولة الإرهاب؟ وهل استطاع طفل سورية استيعاب ما يحدث؟ هل يجب إخفاء الحقيقة عن الطفل، أم يجب شرح ما يحدث وتفسير الأمور الغامضة عن الطفل بصدق وأمانة؟.
هذه الأسئلة تجيب عنها الباحثة الاجتماعية رنا زريف صالح المهتمة بشؤون الطفل والتي تعد الكثير من الأبحاث التي تتناول نفسيته ومدى قدرته على التكيف مع الواقع حيث قالت لـ «تشرين»: لا شك في أن الإرهاب هو أحد أعنف المظاهر التي صاحبت التطورات السياسية والعسكرية، وامتدت سمومه إلى أضعف مخلوقات الله وهم الأطفال الذين من المفترض أن يكونوا أكثر حظاً في الحصول على الاهتمام والرعاية واللمسات الناعمة، وأشارت إلى أن المجموعات الإرهابية المضللة حاولت تشويه الإسلام وتحريف مبادئه من خلال ما قامت به من أعمال عنف وقتل تصل للطفل عبر أجهزة التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا-حسب صالح- يعيش الطفل حالة تناقض بين ما يتلقاه من الأسرة والمدرسة والمجتمع الذي يعيش فيه حول سماحة الدين الإسلامي وقيمه، وبين ما يراه من انتهاكات وجرائم على أرض الواقع باسم الدين، وأكثر ما تتوجه أسئلة الطفل عن هذا الموضوع إلى الوالدين وإلى المعلم في المدرسة، فهذا الثلاثي يشكل العامل الأقوى في تنمية شخصية الطفل، إذ إن الحوار الإيجابي بين الطفل والوالدين أو بين الطفل ومعلمه في المدرسة عامل كاف وكفيل بتوعية الطفل بما يجري في العالم من أحداث، وإن قول الحقيقة هو أمر ضروري دائماً حسب مستواه العمري والفكري، فالمدرسة لكونها مؤسسة اجتماعية تربوية تعليمية لا بد من إخبار الأطفال بالحقيقة لأن الطفل يتمتع بذكاء، فإذا اكتشف هذا الطفل أن الحقيقة لم تقل له ولا مرة واحدة سيفقد الثقة بمدرسته وبمعلمه وهو ما يتنافى مع مبادئ التربية الحديثة. وأضافت: صحيح أنه لا يوجد ضمن المناهج المدرسية حصص معينة تُعنى بموضوع التوعية بالإرهاب، لكن على المعلمين مناقشة الموضوع مع التلامذة وتفسير ما يحدث بمساعدة الأهل من خلال توضيحات معينة مثل: هناك في البلد أناس أشرار يقتلون الأبرياء، والشرطة بحثت عنهم وألقت القبض عليهم والآن هم في السجن يعاقبون، كما تجب طمأنتهم من خلال الحديث عن الانتصارات التي يحققها الجيش من خلال تصديه للمجموعات الإرهابية على أرض الوطن، وعرض صور تجسد هذه الانتصارات.
وعن مبادئ الحوار مع الطفل تذكر الباحثة صالح بأنه يجب أن يتحلى الحوار بالمرونة عبر الابتسامة وتجنب العصبية والتشنج، والاندماج مع أسئلة الطفل، والصبر، الذي هو أهم مبادئ الحوار، سواء في المدرسة أو البيت، لأن موضوع الإرهاب وما حمله من مصطلحات بالنسبة للطفل هو موضوع جدير بالبحث والاستطلاع، ويخلق لديه فضولاً شديداً لطرح أسئلة متنوعة، لذلك تجب مراعاة الطفل والصبر عليه، وترى صالح أن التنوع في الحديث ضروري لأن شخصية الطفل تميل إلى التنوع والرغبة في التغيير في جميع شؤون حياته، لذلك يجب أن ينوّع من يحاور الطفل في قضية الإرهاب من خلال اللجوء إلى رواية الأساطير الشعبية في انتصار الحق وزهق الباطل، لذا يجب التعامل مع الطفل بالإيجابية التي ترافقها الابتسامة المشرقة في وجهه واتباع أسلوب الدعابة بعيداً عن التخويف وتقطيب الحاجبين، ومدح أفكار الطفل مهما كانت بسيطة، والتعامل معه بوضوح كأن نعطي كلمات ومعاني واضحة للمصطلحات التي يستفسر عنها الطفل، كأن يسأل الطفل ما معنى الشهادة؟ أين يذهب الشهيد بعد دفنه؟ وغيرها من الأسئلة التي تشغل باله.
وتختم الباحثة رنا صالح مؤكدة أن للحوار مع الطفل فوائد نفسية وتربوية واجتماعية تسمو به إلى أرقى مستويات الوعي والتفكير.

print