منذ أن ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على السوريين نال الأطفال الحصة الأكبر منها، عبر آثار سلبية أسدلت بظلها الثقيل على تفاصيل حياتهم اليومية وتولدت عنها مشكلات اجتماعية نفسية، ربما لن تفارقهم حتى بعد نهاية الحرب.
آلاف الأطفال في الداخل ودول اللجوء عاشوا الحرب وتشكلت لديهم ذاكرة لن تمحى بسهولة حول الدمار والقتل والمصابين والدم، إذ خلّفت هذه الحرب تبعات نفسية بسبب ما شاهدوه أو سمعوه، فضلاً عن تهجيرهم من منازلهم ومدارسهم وفقدان ذويهم وأصدقائهم، ما ينعكس على ردود أفعالهم تجاه الأشياء وسلوكهم وطريقة استيعابهم للأمور وتحصيلهم الدراسي، وربما تتطور حالتهم وتصبح حالة مرضية، إن أهملت ولم تعالج، ستتفاقم أكثر، ما استدعى نفيراً من المجتمع الأهلي والمؤسسات الحكومية والواعين حجم الكارثة على الأطفال خصوصاً والمجتمع ككل، فبدؤوا بإطلاق مبادرات تُعنى بتقديم الدعم النفسي الاجتماعي للأطفال وذويهم، وفي بعض الأحيان تتوسع تلك الخدمات المقدمة لتشمل الأطفال ذوي الإعاقة كمبادرة (همس) التي قصدناها في منطقة صحنايا في ريف دمشق ووجدنا صعوبة في البداية بتحديد عنوانها نتيجة التنقل الحاصل بسبب ارتفاع إيجار المنزل الذي كان المقر السابق للمبادرة، لكن ضحكات الأطفال وأصوات الموسيقا الصاخبة وسط منطقة هادئة نوعاً ما لبعدها عن ضجيج المدينة كان هدينا إلى ذلك الطابق الأرضي الذي ما إن تدخله حتى يتبدّد التعب وترتسم ابتسامة على ثغرك من دون أن تشعر بذلك لكونك دخلت عالم الطفولة ورأيت الجدران الملونة والأسقف المزينة بالرسومات المحببة للأطفال.
تجولنا في المركز مع المسؤولة الإعلامية للمبادرة الأستاذة راما شديد التي عرفتنا على أقسامه، فهو مكون من قاعات مجهزة بتجهيزات بسيطة حسب الإمكانات المتوافرة، تفصل بينها ألواح عازلة للصوت وتشرف كل القاعات على صالة كبيرة في الوسط كانت مملوءة بالأطفال الصغار الذين يشاهدون عبر شاشة إسقاط ضوئي أفلاماً كرتونية ذات أهداف تعليمية سلوكية برفقة مختصة… كما دخلنا قاعة مخصصة لاستقبال الأهالي الذين يتابعون أمور أبنائهم داخل المركز أو يودون الاستفسار عن الخدمات التي تقدمها المبادرة.
«همس» هي باختصار الأحرف الأولى للكلمات الثلاث هوية موحدة سورية -حسب شديد- التي عرفت المبادرة بأنها: مبادرة مجتمعية صديقة للطفولة أسست في 14/5/2015م من قبل متطوعين، هدفها الدمج الاجتماعي بين الأطفال الوافدين للمنطقة وأطفال المجتمع المحلي.
وتؤكد شديد أن المبادرة تضم أنشطة للأطفال منها: دعم نفسي اجتماعي غير متخصص للأطفال الأسوياء من (6-12) عاماً، ودعم نفسي اجتماعي للأطفال وذويهم عن طريق الاستشارات (القانونية-الطبية- الاجتماعية- النفسية)، ودعم تعليمي للأطفال الأميين دراسياً والمتأخرين والمتسربين من المدارس.
ونتيجة الحاجة الماسة وحجم المسؤوليات الإنسانية تتابع شديد: أطلقنا مبادرة (شخص) الخاصة بالأطفال ذوي الإعاقة التي تشمل الأعمار بين (6-14) عاماً التي تهدف إلى رعاية وتأهيل ودمج الأطفال ذوي الإعاقة. وتضم المبادرة: أطفال صعوبات التعلم، تقويم نطق، تأهيل الإعاقات العقلية (التوحد- الداون- فرط النشاط)، تأهيل الإعاقات الحركية بالمعالجة الفيزيائية، وأنشطة لذوي الإعاقة.
وتضيف شديد: أما هذا العام فقد أطلقنا برنامج (أفلاتين) الخاص باليافعين، بدئ العمل به منذ بداية العام الحالي ويشمل من العمر(14-18) عاماً، ويهدف إلى تعريف اليافعين بأنفسهم والمجتمع المحيط بهم وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم وتعليمهم كيفية التخطيط لمبادرات اجتماعية مالية، كما يشمل البرنامج خمسة محاور: فهم واستكشاف الذات، محور الحقوق والمسؤوليات، الإنفاق والادخار، التخطيط، القيام بمشاريع اجتماعية مالية.
أما بالنسبة للكوادر فتتابع شديد: نقوم كل ثلاثة أشهر بدورات للكوادر المتطوعة الجديدة مقابل ستين ساعة تطوع ونمنحهم شهادة بالدورات المتبعة، وكل شهر نضع هدفاً نفسياً يسعى إلى تحسين سلوك الطفل وزرع الأفكار الإيجابية لديه.
وعن آلية العمل ضمن المركز شرحت شديد: عندما يأتي الطفل أول مرة نجري تقييماً أولياً للطفل من قبل المختصين الموجودين لتحديد المشكلة، وعلى أساس هذا التقييم يوضع برنامج وتتابع حالة الطفل من خلاله وبإشراف المختصين.
وعن عدد الأطفال بشكل تقريبي قالت شديد: (صعوبات النطق: 75طفلاً، وصعوبات التعليم:
80 طفلاً، الإعاقة العقلية: 30 طفلاً والحركية: 30 طفلاً، الأنشطة: 150 طفلاً أخيراً اليافعون 20 طفلاً).
أما أكثر شريحة نحتاج بذل مجهود معها فهي شريحة اليافعين لخصوصية هذه المرحلة العمرية التي تؤثر بشكل كبير في بناء إنسان يتمتع بشخصية متوازنة، فمعظم الحالات التي نستقبلها تعاني مشكلات أفرزتها الحرب منها: عدم تقبل أقرانهم من أطفال المجتمع المحلي المضيف لهم، وأيضاً الآثار النفسية الناتجة عن طلاق الوالدين ، والضغط الكبير ضمن القاعات الصفية ما يسبب عدم التركيز أثناء عملية التعلم .
وتختم شديد بالقول: نتمنى أن نحصل على ترخيص، يقدم لنا أسوة بغيرنا الدعم المادي ومتطلبات العمل، ويشكل المظلة التي نتعاون ونعمل بظلها كي نسهم في التخفيف من وطأة الحرب النفسية الاجتماعية على أطفالنا.
وأخيراً، يمكن الاعتراف بأن ثمة مبادرات وبرامج كثيرة للدعم النفسي الاجتماعي يود بعض المتطوعين تطبيقها بهدف انتشال أطفالنا من تداعيات الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية، لكن ضعف التمويل والبطء في إجراءات الترخيص يحولان دون تطور هذا الاختصاص المهم.

print