تتكرر في كل صيف، منذ سنوات عديدة، اختناقات المياه ونقصها في محافظة اللاذقية وخاصة في ريفي جبلة والقرداحة، لكن الاختناق هذا العام تجاوز تحمل المواطن حتى أخرجه عن صمته وتصدرت آهاته صفحات التواصل الاجتماعي، التي تحدث فيها المواطنون في ريفي جبلة والقرداحة عن مشكلة المياه التي تتفاوت فيها مدة انقطاع المياه مابين خمسة وعشرة أيام، فأي مشاريع مياه تلك التي تجر مياه السن إلى اللاذقية وتعجز عن إرواء قرى جبلة كما يجب، وهي لا تبعد كثيراً عن نبع السن الذي يغذي المحافظة.. مؤسسة المياه والصرف الصحي في اللاذقية قامت بالتعاون مع المحافظ وبعض الجهات المعنية، بحلول إسعافية لدرء أزمة المياه التي حدثت مؤخراً في مدينة جبلة وريفها، لكن المشكلة بقيت قائمة ولم ترو عطش الريف، لأن مشكلة المياه ليست وليدة اللحظة بل هي قديمة حديثة، وبحاجة لحلول جذرية لم تقم بها الإدارات المتعاقبة المعنية بالشأن المائي من وزارات ومؤسسات عبر السنوات الماضية، من خلال وضع رؤى مستقبلية للواقع المائي في منطقة الساحل الذي يسجل أعلى نسبة للهطولات المطرية ويتميز بوفرة وتنوع مصادره المائية، ولو عملوا على تخزين تلك المياه كما يجب ومنعوا الفاقد والهدر اللذين لهما علاقة بسوء الإدارة لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، والأمثلة على تقصير الجهات المعنية بالشأن المائي وسوء الإدارة كثيرة جداً، فمثلاً على سبيل الذكر لا الحصر سدّ السخابة الذي كلف ملايين الليرات لم يوضع إلى الآن في الخدمة الفعلية لعدم قدرته على التخزين فمَن المسؤول عن تنفيذه.؟ ومتى الفرج بموضوع المياه أيها المعنيون..؟
وعن هذا الموضوع كان لـ «تشرين» هذه اللقاءات مع أهالي بعض القرى ومدير مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في اللاذقية للوقوف على واقع المياه في المحافظة وأسباب المشكلة والحلول التي قدمت وستقدم..
شراء الصهاريج أرهق كاهل المواطنين
المواطن حسن عباس كغيره من أهالي ناحية بيت ياشوط قال: إن معاناتهم مع المياه ليست فقط هذا العام فهي متجددة، فشراء صهريج المياه قبل الأزمة لم يكن ليثقل كاهل المواطن كما هي الحال الآن في ظل هذه الظروف المعيشية فهو مرهق، فصهريج مياه سعته خمسة عشر برميلاً بخمسة آلاف ليرة، وكل مواطن بهذه الناحية يعبئ مرتين أو أكثر بالشهر لأن مياه الشرب لا تأتي إلا ساعتين كل عشرة أيام، وفي أحسن الأحوال بعد الشكوى تأتي خمسة أيام ومن ثم تعود لسابق عهدها، نحن لا يوجد لدينا في المحافظة نقص بالمياه كما يقول المعنيون فالله ينعم علينا بالهطولات المطرية، وبوفرة الآبار والينابيع، لكن يوجد سوء إدارة في توزيعها وتخزينها.
تعديات
وينتقل المواطن نزار أسعد للحديث عن فكرة أخرى أنه مع سوء الإدارة هناك أزمة أخلاق بالتعاطي بموضوع توزيع المياه ضمن القرية، فالمسؤول عن ضخ المياه يتلاعب فيها فهي متفاوتة بين حي وآخر، ناهيك بوجود البعض الذين لا يهمهم إلا أنفسهم يركبون خطوطاً أخرى تحت خط المياه فتنقطع عن البقية، فساعتان بخمسة أيام ولم نقل عشرة أيام غير كافية.
وتذكر المواطنة رقية عيسى أن الكثيرين فيما مضى كانون يعتمدون على الينابيع والآبار ويلجؤون إلى تأمين حاجاتهم المائية منها، ما جعل الجهات المعنية تنسى واجبها بتأمين المياه عبر السنوات الماضية، فأنا عاصرت الزمنين زمن التعب بنقل المياه وزمن الرفاهية بمجيء المياه إلى المنازل، ففي هذه الأيام أقول ما أجمل أيام زمان عما نحن عليه الآن، التعب الجسدي أهون من التعب النفسي بانتظار مجيء المياه.
إرهاق
بينما المواطن سلمان عيسى من قرية الروسية التابعة لتجمع قرى القلايع يقول: بما أن المعنيين يدركون أن مجي المياه ساعتين كل خمسة أيام غير كافٍ، كما رد على سؤالي مدير وحدة مياه ريف جبلة عندما زار القرية في شهر آب الحالي واستمع لشكاوى المواطنون، فلماذا لم يتغير شيء إلى الآن، وقد تمت الشكوى له بأن المياه تأتي للمواطنين في أغلب الأحيان وقت انقطاع الكهرباء ما يؤدي لعدم الاستفادة منها بشكل جيد بإملاء خزاناتهم، فيلجؤون إلى شراء الصهاريج بـ «3000 إلى 5000 ليرة سعة عشرين برميلاً، علماً أنه توجد إمكانية الاستفادة من فتح بئر أخرى بجانب بئر التجمع لغزارتها بالمياه ولن تتضرر غزارتها، ورفد مياهها إلى خزان القرية، وبذلك تحل المشكلة، والكل يعلم أن تخزين المياه، وإن حصل وأتت متزامنة مع الكهرباء، مدة خمسة أيام في الخزانات أو في أوعية الخزانات في هذا الجو الحار غير صحية وتصبح غير صالحة للشرب.
معاناة
أما المواطن محمود محمد من قرية عين السبع في ريف القرداحة فقد أشار إلى أن أهالي القرية قاموا بتمديد مياه الشرب من نبع يبعد عن القرية حوالي ثلاثة كيلومترات، على نفقتهم الخاصة لسد نقص مياه الشرب لكنه لا يفي ربع حاجة القرية، التي تأتيها مياه الشرب كل عشرة أيام ساعة فقط، ويقول: من حقنا أن تأتي المياه إلى الريف يومين كاملين كل أسبوع.
وكذلك المواطنة انتصار خير بك من قرية نيننتي من ريف القرداحة تقول: إن مياه الشرب تأتيهم كل خمسة أيام ساعتين وهي لا تكفي، فهل يعقل أن منطقة فيها نبع يكفي القرية لا يتم تحويله لنا ونشتري صهريج المياه سعة «12» برميلاً بـ «2500» ليرة سورية.
غيض من فيض
هذه اللقاءات غيض من فيض وإذا أردنا أن ننشر كلام مَن التقيناهم من أهالي القرى الأخرى فنحتاج جريدة كاملة بعدد صفحاتها، وكلها تتمحور حول المعاناة نفسها، فإذا رأيت قرية رأيت أغلب القرى في ريف اللاذقية، وكذلك مدينتا اللاذقية وجبلة اللتان تأتيهما المياه كل يوم عدة ساعات لكن وطأة معاناتهما أخف من الريف لذلك سلطنا الضوء على الريف لأنه منبع المياه، وبتدارك الأزمة ستحل مشكلة المدينة والريف معاً.
عجز مائي
وللوقوف على أسباب أزمة مياه الشرب المتكررة كل عام والحلول التي قدمت وستقدم، ونسميها أزمة لا مشكلة كما يسميها المعنيون، لأن مصادر المياه في المحافظة آمنة ومتوافرة، ولأنها متكررة، فقد التقت «تشرين» المدير العام لمؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في اللاذقية المهندس منذر دويبة الذي قال: بداية سأتحدث عن واقع المياه بشكل عام في المحافظة لتوضيح بعض النقاط، يعد نبع السن المصدر الرئيس لإرواء محافظة اللاذقية، ويتم إنتاج حوالي 310000م3/يومياً وهو يغذي 85% من سكان محافظة اللاذقية، ويتم إنتاج حوالي /65000 م3/ يومياً من بقية المصادر (ينابيع – آبار) أي أن المياه المنتجة يومياً بحدود /375000م3/ وحاجة المحافظة بحدود /475000 م3/ يومياً فمن الملاحظ أنه يوجد عجز مائي بحدود 100000 م3/يوم.
وتابع م.منذر: مدينة اللاذقية تحتاج مع ضواحيها إلى 220000 م3/يوم، وترتفع نسبة العجز المائي في الريف عن المدينة وخصوصاً ريفي جبلة والقرداحة، لأن مدينتي اللاذقية وجبلة تزودان بالإسالة لذلك تأتيهما كل يوم، بينما الريف يتم تزويده بالمياه عبر مراحل متتالية من الضخ تصل في بعض المحاور إلى تسع مراحل ضخ، ضمن برنامج محدد للريف، فهناك قرى تشرب كل يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أيام وقد تصل إلى الأسبوع في بعض القرى خاصة نهايات المشروعات، وعندما تصل المياه كل عشرة أيام تكون هناك مشكلة نعالجها فوراً، وكذلك ساعات التزويد متفاوتة تتراوح بين ساعتين وست ساعات حسب القرى والأحياء، وهذا العجز يشكل هاجساً لدى إدارة المؤسسة، ويلقى اهتماماً كبيراً من الحكومة متمثلة بالسيد وزير الموارد المائية المهندس نبيل الحسن والسيد محافظ اللاذقية اللواء إبراهيم السالم لتحسين الواقع المائي لهذا الريف، ويزداد العجز خلال فصل الصيف نتيجة زيادة الاستهلاك من جهة وزيادة عدد الوافدين من جهة أخرى، هذا إضافة إلى حالات الهدر من تعدٍ على الشبكات وبعض الأعطال الفنية.
ويتم ضخ المياه من مركز السن إلى خزانات رئيسة في موقع قرفيص على منسوب /90م/ عن سطح البحر، ما يشكل ضاغطاً كافياً لوصول المياه بالإسالة إلى مدينة اللاذقية وبقية المشروعات المستفيدة من خطوط الجر الأربعة المسالة من خزانات قرفيص إلى مدينة اللاذقية.
خطط
وأضاف: لدرء هذا العجز المائي قامت المؤسسة ببعض الخطوات والخطط لمعالجة مشكلة نقص المياه من خلال البحث عن مصادر جديـدة كحفر الآبار ويتم ذلك بالتعاون مع مديرية الموارد المائية بالبحث عن نقاط أمل للآبار، فقد تم حفر /35/ بئراً في عامي 2016-2017 من أجل استثمارها في دعم المحاور أو عزل بعض التجمعات عن المحاور، وفي آن واحد تكون هذه الآبار جاهزة في حالات الطوارئ عند حدوث أي خلل في المصدر الرئيس نبع السن لا قدر الله.
وعملنا كمؤسسة على تأهيل الينابيع مثل نبع حقول الجوز /القرداحة ونبع صلنفة التحتاني وكل منهما ينتج أكثر من 1000م3/ باليوم، وتأهيل آبار عقدة جبلة حيث تم الانتهاء من عملية عزل خزان جبلة الرئيسي ومد خط الضخ وتركيب المضخات اللازمة على الآبار وسيتم وضعه في الخدمة خلال شهر آب، أما ينابيع الفوار وهي من المصدر المائي للآبار نفسه فقد أعدت الدراسة لبناء خزانات تجميع لهذه الآبار وخزان أرضي رئيس وسيتم تنفيذها خلال عام 2018.
وأيضاً لتحسين الواقع المائي تعمل المؤسسة على رفع التقنين عن محطات الضخ وقد تم مؤخراً رفع التقنين عن محطتي الزهراء «محور الدالية» ومحطة الشير «محور الحفة» بتكلفة 140 مليون ليرة سورية، أدى لتحسن واقع المياه على هذه المحاور.
مشروعات داعمة
وأكد م. دويبة أن المؤسسة قامت بمشروعات داعمة كمشروع إرواء محور حرف المسيترة والقرى التابعة لها من نبع السن، حيث تم تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع الذي يتضمن خط ضخ بطول /7,5كم/ وثلاث محطات ضخ مع كل ملحقاتها، وبلغت نسبة التنفيذ حوالي 70% وسيتم استثماره هذه العام لجر /1000م3/ يومياً من آبار كفردبيل ريثما يتم تنفيذ المرحلة الأولى منه وهي الأهم، وقد تم التعاقد مع شركة ريما لتنفيذ خزان سعة /1000م3/ وملحقاته عند قرية دوير الخطيب.، وهناك أيضاً مشروع إرواء حمام القراحلة حيث تم التنسيق مع منظمة الهلال والصليب الأحمر لإعادة تأهيل محطة السخابة ببناء خزان سعة /2000م3/ ومحطة الضخ لدعم محور بيت ياشوط مباشرة خلال هذا العام، ولاحقاً مشروع حمام القراحلة، حيث ستؤمن هذه المحطة وارداً مائياً إضافياً للمحورين من نبع السن وآبار العيدية التي تم حفرها، وقامت المؤسسة بحفر ست آبار في منطقة الحويز ويتم الآن تنفيذ خزانين أرضي بسعة 500 م3 وعلوي بسعة 200م3 سينتهيان هذا العام، وبعد ذلك يتم ربط الخزانين بخط ضخ طول 4,5 كم من مادة الفونت مع بداية العام القادم.
تخفيض نسبة الفاقد
وأشار م. منذر إلى أنه من الأمور التي عملت عليها المؤسسة لدرء العجز المائي وتخفيض الفاقد تنفيذ مشروعات استبدالات خطوط في مختلف وحدات المؤسسة، حيث تم خلال عامي 2016-2017 استبدال /150كم/ بسبب اهتراء القساطل أو تكلسها أو لتأمين أقطار أكبر في المناطق التي تضاعف عدد سكانها، وتنشيط عمل الضابطة في جميع الوحدات حيث تمت إزالة أكثر من 25000 مخالفة استجرار غير مشروع، إضافة إلى الإسراع في إصلاح أعطال الشبكات بالسرعة القصوى.
على المدى الطويل
وأردف قائلاً: تقوم المؤسسة الآن بالتعاون مع هيئة الموارد المائية بإعداد دراسة متكاملة لإنشاء محطة ضخ جديدة مع استكمال خط الدفع الرابع، وإنشاء خزان سعة /6000م3/ بالقرب من خزانات قرفيص الرئيسة، مهمة هذه المحطة تأمين وارد مائي إضافي لا يقل عن /30000 م3/ يومياً، وسيعلن للتعاقد على تنفيذها هذا العام.
وأضاف: هناك مشرعات تم التعاقد عليها لمدة 180 يوماً وأخرى مدة 360 يوماً وبدئ بالعمل بها منذ الربع الثاني من هذا العام كحفر وإكساء وتجريب ثلاث آبار ارتشاحية في محطة البهلولية- حفر وإكساء ثماني آبار ارتشاحية في محطة الصفصاف- حفر وإكساء عدد من الآبار في مناطق مختلفة- مشروع إعادة تأهيل آبار عقدة جبلة- مشاريع تجديد واستبدال الشبكات في وحدتي مدينة اللاذقية ووحدة سقوبين ووحدة بيت ياشوط ووحدة ريف جبلة ووحدة مدينة جبلة ووحدة بللوران- مشروع بناء خزان ثانٍ في قرية البصة- مشروع بناء خزان وخط ضخ لقرية رويسة العدس.
تنسيق
وذكر م. منذر أن هناك مشروعات أخرى سيتم البدء بالعمل بها خلال الربع الثالث من هذا العام تتراوح مدة تنفيذها من 180 يوماً حتى 360 يوماً كمشروع حمام القراحلة الجديد “خزان مسنسل”- مشروع جر مياه آبار العيدية إلى محطة السخابة- المرحلة الأولى من مشروع إرواء حرف المسيترة من السن- إعادة تأهيل محطات مشروع كسب الجديد الذي خرج من الخدمة بسبب الأعمال الإرهابية وهي خمس محطات، وهذه المشاريع ذات أهمية كبيرة.
وهناك مشاريع تراها المؤسسة مهمة لتحسين الواقع المائي سنعمل على تنفيذها مستقبلاً أهمها مشروع تصفية محطة سد /16 تشرين/ الذي سيؤمن وارداً مائياً كبيراً بحدود /85/ ألف متر مكعب يومياً، وقد انتهينا من دراسة المشروع بالتنسيق مع جامعة تشرين وهو باهتمام الحكومة.
وأكد م.منذر أن إدارة المؤسسة تدرك أهمية مياه الشرب وتسعى بكامل طاقمها لخدمة أهلنا في المحافظة، وترجو من الإخوة المواطنين التعاون مع المؤسسة بالحفاظ على مياه الشرب وعدم استجراها بشكل غير شرعي.
Basemhesmail78@gmail.co

print