في ليلة هادئة وفي آخر يوم من أيام عطلة عيد الفطر باغتت قذائف الحقد الإرهابية عائلة المواطن علاء رستم في ناحية سلحب في محافظة حماة, حيدر – حسين – نجوى ثلاثة أطفال نيام بعد قضاء يوم من اللعب والمرح ليستيقظوا بعد منتصف الليل على منزل تهدمت جدرانه وسقفه على أجسادهم الطرية وأصابت الشظايا كل جزء في جسمهم فجرحت وكسرت وقطعت أطراف البعض الآخر وكان للأب نصيب من تلك الإصابات بجروح بسيطة.
ليلة دامية بالدم والدموع على أطفال ثلاثة مزق الإرهاب أوصالهم ومزق قلب أم فجعت بفلذات أكبادها الثلاث وأمام عينيها, وأب مثقل بجروح سابقة أصيب بها أثناء تأديته واجبه الوطني خلال هذه الحرب الدائرة والطاحنة التي لم يسلم منها أحد, حيث تركت آثارها في كامل يمينه وكتفه مسببة عجزاً بنسبة 55% حسب تقدير اللجنة الطبية.
إما البتر وإما النقل إلى الخاص
لم تستطع الأم الحديث عن ذلك اليوم المأسوي الحزين بسبب صوتها الخافت وبالكاد يسمع همساً من شدة ألمها وحزنها على أطفالها, أما الأب فتكلم عن تفاصيل الحادثة بحسرة ممزوجة بأسى وأسف بعد أن تم إسعافه مع أولاده و جروحهم تنزف بغزارة خلال زمن استغرق أكثر من نصف ساعة لحين وصولهم إلى المشفى الوطني في منطقة مصياف وكانت الساعة قد اقتربت من الواحدة بعد منتصف الليل.
يقول الأب علاء: بعد أن قدمت الإسعافات الأولية للأولاد وتم إيقاف نزيف جروحهم تبين لدى الأطباء أن الجروح البالغة والكسور عند الأطفال تحتاج إلى عمليات مستعجلة وهنا سادت حالة الارتباك في المشفى لعدم وجود طبيب مختص في جراحة الأوعية فطلب منا التوجه الى مشفى طرطوس الوطني لإجراء العمل الجراحي اللازم لهم.
ويتابع الأب قائلاً: خمس عشرة دقيقة من الزمن فقط تفصل بين قرار بتر ساق الطفل حيدر فيما إذا تأخر عن إجراء العمل الجراحي حسب تقديرات الطبيب بينما يستغرق الوصول الى مشفى طرطوس زمن لا يقل عن الساعة ونصف الساعة, أمام تلك الحالة وهذا الموقف الحرج فلا خيار لدي لإنقاذ ابني إلا بالتوجه إلى المشفى الخاص كما ارتأى الأطباء وفيه أطباء مختصون بجراحة الأوعية , وفعلا تم نقله إلى المشفى الخاص لإجراء أكثر من عملية جراحية في ساقيه, علماً أن المشفى لا يبعد عشرات الأمتار عن المشفى الوطني حيث الكوادر الطبية ومن كل الاختصاصات تنتظر قدوم مرضاها في كل الأوقات ولكل الحالات المرضية.
ملايين التبرعات تجمع وتذهب للخاص
بعد إجراء العمليات اللازمة للطفل حيدر في ساقيه وعملية أخرى للطفلة نجوى في يدها بلغت قيمة فاتورة المشفى الخاص مليوناً و575 ألف ليرة ،علماً أن بعض التحاليل والصور الممكن إجراؤها والمتوفرة أجريت في المشفى الوطني للتخفيف من ثمن الفاتورة في المشفى الخاص.
فاتورة تتجاوز المليون ونصف المليون وربما تصل لمليوني ليرة بعد نهاية العلاج, بالتأكيد لا يستطيع مواطن من ذوي الدخل المحدود، بل يمكن تصنيفه كحال أغلبية أبناء الشعب السوري تحت خط الفقر، تسديد فاتورة بحجم المبلغ المذكور, لكن أهل الخير والجمعيات الخيرية كانت خير كفيل بمد يد العون لكل محتاج وفي كل الظروف حيث قامت إحدى الجمعيات الخيرية بتسديد كامل تكاليف المشفى الخاص ودفع فواتيره عن أسرة المواطن علاء المنكوبة.
الخدمات الطبية والإسعافية في الخاص على درجة عالية وما على ذوي المرضى إلا دفع الأجور الكاوية, فلا تميز بين فقير وغني, بين وطني وغير وطني…. «وهنا لا يعني أننا ننكر أو نقلل من شأن مشافينا الوطنية وخدماتها المتميزة والمجانية وأجهزتها وكادرها الطبي ضمن إمكاناتها المتوافرة».
لا يمكن المقارنة بين المشافي الخاصة والوطنية, بين مشفى يقدم خدماته بالمجاني ومشفى تدفع قيمة فاتورة حسابه بالملايين, مبلغاً كان يمكن استثماره والاستفادة منه بشراء أو تحديث جهاز يقدم خدمة لآلاف المرضى من الفقراء بدل أن تذهب هذه الأموال التي جمعت من التبرعات وأهل الخير إلى مشاف خاصة في ظروف تعد الأقسى على المواطن السوري الذي بات عاجزاً عن دفع أجرة معاينة لطبيب خلت الرحمة والشفقة من قلبه.
إمكانات بلا كوادر مختصة
مع توافر جميع الأجهزة الطبية الحديثة في معظم المشافي الحكومية إلا أن نقص الأطباء الاختصاصيين يشكل التحدي الأكبر فيها, في حين نجد المشافي الخاصة توفر مثل هؤلاء الأطباء ومن كل الاختصاصات، وهنا يتساءل مراقب: لماذا يتواجد الأطباء في المشافي الخاصة وتغيب خدماتهم في مشافينا الحكومية؟
«تشرين» وفي لقاء مع مدير الهيئة العامة لمشفى مصياف الوطني الدكتور ماهر اليونس تحدث عن واقع المشفى وقال:
رغم كل الإمكانات المتوافرة في المشفى من أجهزة طبية حديثة وأجهزة تصوير, واستبدال القديم منها بأجهزة متطورة وإحداث بنك للدم…. إلا أن نقص الأطباء الاختصاصيين يشكل التحدي الأكبر في المشفى, علما أنه يوجد 90 طبيباً ولا يوجد بينهم طبيب واحد مختص بجراحة الأوعية أو جراحة الصدر, لذلك يتم تحويل هذه العمليات الجراحية إلى مشفى طرطوس أو بعض المشافي الوطنية الأخرى, وأضاف إن مشفى مصياف يعد بمنزلة مشفى مركزي في المحافظة بعد خروج عدد من المشافي من الخدمة بسبب الأحداث الجارية في البلد ووجود بعضها في مناطق ساخنة, ويراجع المشفى من 400 -500 مراجع يومياً ومثلها في العيادات الخارجية إضافة إلى الحالات الإسعافية والكثيرة, كما أن المشفى يستقبل عدداً كبيراً من جرحى الجيش وجميع الحالات المرضية والإسعافية, ويتم 25 جلسة غسيل كلية يومياً و50 صورة طبقي محوري للمرضى وكل الأجهزة الموجودة تعمل بشكل دائم وبحالة جيدة وفي قسم بنك الدم الأكياس متوافرة للمرضى و حتى للمشافي الخاصة.
مراسلات بلا استجابة
مدير المشفى الدكتور اليونس يرى في رفد المشفى بأطباء اختصاص جراحة أوعية وصدرية ضرورة ملحة ولاسيما أن المشفى بمنزلة المركزي في المحافظة ويستقبل عدداً كبيراً من المواطنين مدنيين وعسكريين, وقال: يوجد عدد من الأطباء الاختصاصيين في المحافظة ممن تخلفوا عن الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية ويعملون في مشاف خاصة, لكن لا نستطيع التعاقد معهم لأنه من شروط العقد أن يكون قد أدى خدمة العلم, ويتساءل د. اليونس: لماذا لا تتم تسوية أوضاع مثل هؤلاء الأطباء حيث تكون خدمتهم في المشافٍ الوطنية لتتم الاستفادة من خدماتهم وخبراتهم لمصلحة المشفى بدلاً من أن يبقوا متوارين وربما نظمت في حقهم عقوبات بسبب تخلفهم عن خدمة العلم, بينما هم يعملون لمصلحة المشافي الخاصة مع غياب خبراتهم عن المشافي الوطنية التي هي أولى بالاستفادة منها.
ويتابع د. اليونس قائلاً: إن هذا المقترح طرحته على جميع الجهات المسؤولة في الدولة وأرسلت عشرات الكتب مخاطباً أصحاب القرار, لكن لم تتم الاستجابة لهذه المطالب. ونأمل أن يلقى هذا المقترح آذاناً مصغية عبر هذا المنبر الإعلامي وما نريده هو تقديم أفضل الخدمات لكل المواطنين. وأضاف أثناء زيارة السيد وزير الصحة الدكتور نزار اليازجي مؤخراً إلى المشفى اطلع على واقع المشفى وطالبنا برفد المشفى بأطباء اختصاصيين نظراً للأعداد الكبيرة من مراجعي المشفى.
وأما عن حادثة الأطفال ضحايا القذائف وإسعافهم إلى المشفى فقال الدكتور اليونس: كنت متابعاً لحالة الأطفال وتم تقديم الإسعافات لهم بالإمكانات المتوافرة لدينا, ومثل هذه الحالات تتكرر لدينا ويتم تحويلهم إلى مشاف وطنية في حماه وطرطوس كما تسمح حالتهم الصحية وذلك لعدم وجود طبيب مختص في جراحة الأوعية أو جراحة الصدر, ولا نستطيع طلب خدمة من أي طبيب إذا لم يتم التعاقد معه وذلك حسب الشروط القانونية للعقد.
تخريج خمسة اختصاصيين العام القادم
مديرية الصحة في محافظة حماة، وحسب رأي الدكتور محمد ألفا معاون المدير، توضح أن ازدياد عدد المصابين والمراجعين للمشافي أظهر مدى النقص في نسبة الأطباء ولاسيما من اختصاص جراحة أوعية وصدر وأمراض دم… ومثل هذه الاختصاصات قليلة ونادرة ولا يوجد في المحافظة سوى اثنين فقط جراحة أوعية تم التعاقد معهما لمصلحة مشفى حماة الوطني ومثله في جراحة الصدر, لكن حالياً يوجد لدينا أطباء مقيمون سيتم تخريجهم خلال السنة القادمة، ثلاثة منهم جراحة صدرية واثنان جراحة أوعية، ويمكن أن يعوضوا النقص الحاصل في المشافي الوطنية, ومن الضروري أن يوجد في كل مشفى اثنان من كل اختصاص, لافتاً إلى أن الحالات الإسعافية والإصابات تراجعت مقارنة بالسنوات الماضية.
أخيراً
رغم ظروف الحرب والحصار الاقتصادي والخسائر التي وقعت على جميع القطاعات الحكومية ومنها القطاع الصحي وتخريب المشافي وسرقتها إضافة إلى هجرة أكثر من 30% من الأطباء….. كل ذلك ومازالت مشافينا تعمل وبوتيرة جيدة مع ارتفاع أعداد المصابين سواء بسبب الحوادث أو الأمراض وتوفر مختلف الأجهزة الطبية الحديثة والاستشفاء والعلاج المجاني, لكن تبقى قلة عدد الأطباء في اختصاصات معينة مشكلة تحد من تقديم الخدمات للمرضى والمراجعين ليتم استقطابهم بطريقة أو بأخرى في المشافي الخاصة وتكبيدهم تكاليف مادية هم في أمس الحاجة لها لقضاء حوائجهم ومعيشتهم اليومية في تلك الظروف الصعبة, وقد يكون أحد الحلول بما طرحه الدكتور ماهر اليونس مدير الهيئة العامة لمشفى مصياف الوطني كحل, ولاسيما أن قرارات حكومية كثيرة يتم إصدارها لتسيير وتسهيل أمور المواطن.
ملاحظة: ما زال الأب علاء رستم يتنقل مع أولاده بين مشافي دمشق من المواساة إلى مشفى الأسد الجامعي…. للمعالجة، والوقائع تشير إلى أن عملية العلاج ستستمر وقتاً ليس بالقصير.

print