صديقي الذي يعدُّ للعشرة قبل أن يُقدِم على أي فعل، ويُفكِّر أكثر مما يُنظِّر، والرَّائق كاللبن المُصفَّى، فاجأني منذ عدة أيام بأنه «خرج من ثيابه» بالمعنى المجازي والحقيقي للكلمة، والسبب ليس فقط الكذب في نشرات الطقس التي تقول إن الحرارة في دمشق 43 بينما هي في الظل 49، وإنما بسبب موظَّفة في أحد المصارف العامة التي من المفترض أنها المسؤولة عن التدقيق في بيانات رواتب كفلاء الشخص الراغب في الحصول على قرض، إذ إنها وبعد أن ضربت أخماساً بأسداس، وباتت أصابعها لا تُرى من سُرْعتها في النَّقر على أرقام الآلة الحاسبة، أعلنت أن أوراقه كاملة ورواتب كفلائه صالحة للكفالة، وطلبت منه العودة بعد عدة أيام ريثما يحصل على الموافقة للحصول على القرض، ليُفاجأ بعدها بتذييل المدير المختص ملاحظة تقول بمنحه الموافقة مشروطة بتبديل أحد الكُفلاء، وعند السؤال عن السبب، اعترفت الموظفة بالخطأ، وهي أنها قرأت قيمة أحد الأقساط التي يسددها الكفيل والبالغة «14040» من دون صفر الآحاد، وتالياً باتت حساباتها كلّها، وسُرعتها في الإنجاز كالصفر على الشمال، وهذا ما جعل انتظار صديقي كل هذه الفترة «على الفاضي»، لأنه مُضطّر للبحث عن كفيل جديد راتِبُه المقطوع غير مُنهَك بالاقتطاعات سواء بالسلف أو القروض أو غيرها.
الأنكى من ذلك أنه بعد رحلته العوليسية المملوءة بالمعاناة ومن دون مكافأة الخلود في النهاية، طالبه المصرف بدفع «نفقات إعادة دراسة قرض» التي بلغت مع تشكيلة الطوابع وإضافة الإدارة المحلية والمساهمة الوطنية لإعادة الإعمار ما يُقارب الألف ليرة، أي إنه دفع ثمن خطأ الموظفة مرتين: مرة للتأخير في حصوله على القرض، وأخرى من جيبه هو «المعتَّر» الساعي لتأمين أساسيات حياته من قرض سيُثقِل كاهله تسديد أقساطه خمس سنوات قادمة.
نعم لقد خرج صديقي من ثيابه وهو يرغي ويزبد صارخاً: «لماذا كل هذا الإهمال، ولماذا أدفع مرتين.. وبعض الموظفين الجَهَلة هم من أوصلونا إلى كل هذا الخراب؟!».

print