جملة من قرارات نقل الموظفين شهدتها مديرية مالية دمشق خلال أشهر قليلة ماضية كانت هي الأبرز على صعيد تحرك وزارة المالية لترتيب البيت الداخلي للمديرية التي كما يقال «تحمل إرثاً متجذراً من الخلل وتقودها شبكة واسعة من العلاقات»، لدرجة أن موجة تلك التنقلات وُصفت بالأعنف والأشمل في تاريخ المديرية، بل عُقدت عليها آمال كثيرة بالتغيير نحو الأفضل، لأنها من المفترض أن تكون جزءاً مهماً من حلول القضاء على الفساد وإبعاد الفاسدين والحد من كل ما يسيء إلى السلوك الوظيفي وعلاقة الدوائر المالية مع المكلفين، والسؤال: كيف تصاغ هذه القرارات وهل تعتمد على أسباب مقنعة…؟
إن جميع القرارات التي صدرت مؤخراً حركت موظفين من أماكنهم ورفعت بعضاً منهم درجات وهبطت بآخرين، ومن بينها القرار رقم /1693/ الذي صدر في الخامس والعشرين من تموز المنصرم.
أخطاء قانونية وإدارية
القرار المذكور وحسب مصدر ضريبي مطلع وخبير في الشؤون الإدارية أكد لـ«تشرين» أنه مملوء بالأخطاء القانونية والإدارية، أولها أنه بُني على اقتراح من معاون الوزير للشؤون الإدارية، وهو أمر لا يجوز بموجب قانون العاملين الأساسي في الدولة، إذ إن النقل من ملاك جهة إلى ملاك أخرى يحتاج لجنة ممثلة عن أكثر من جهة بموجب المادة /31/ من القانون، أما دور معاون الوزير فإنه يأتي بالموافقة على طلبات النقل في حال تقدم بها الموظفون من طوع أنفسهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، من غير المعقول أن يمرر قرار لنقل موظفين أو أن يصاغ في الوزارة من دون علم هيئة الضرائب، وكيف يحدث ذلك إذا كان الموظفون الثمانية المنقولون هم من ملاك الهيئة، لتسرع الوزارة بعدها إلى استدراك الخطأ عندما أصدرت نسخة ثانية من القرار برقم مماثل لرقم النسخة الأولى مع إضافة عبارة «بناءً على كتاب مدير مالية دمشق بلا رقم وتاريخ /7/7/2017» متسائلاً: أين كان كتاب مدير المالية عندما صدر القرار بنسخته الأولى وما الأسباب الموجبة للنقل، كإثبات إدانة المنقولين بتجاوزات أو بناءً على تقارير تفتيشية، حتى إن العبارة الشهيرة «لمقتضيات المصلحة العامة» التي نراها على جميع قرارات النقل الصادرة عن أي جهة عامة في الدولة غابت عن نسختي القرار.
بخط اليد
عادةً مثل هذه القرارات تحتاج تأشيراً من الجهاز المركزي للرقابة المالية، لكن النسخة التي حصلت عليها «تشرين» لم تكن حاصلة على تأشيرة الجهاز المركزي لولا إضافة عبارة «وعلى محضر اللجنة الثلاثية رقم /2840/8/1 تاريخ /26/7/2017» وبخط اليد أي بعد يوم من صدور القرار، وبرغم ذلك أخذ الجهاز المركزي بموافقتها ومنح القرار التأشيرة اللازمة، مع العلم أن الفقرة /ج/ من المادة /31/ من قانون العاملين الأساسي في الدولة اشترطت لنقل العامل إلى خارج الجهة العامة التي يعمل لديها، أو إذا كان هذا النقل سيتم ضمن الجهة العامة المذكورة ولكن إلى خارج حدود المحافظة /إذا لم يكن بناء على طلب العامل/ الحصول على موافقة لجنة تشكل من الوزير المختص /أو من يفوضه/ في الجهات العامة ذات الطابع الإداري أو رئيس فرع الجهة العامة المختصة في المحافظة في الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي رئيساً، والجهة الحزبية الذي تتبع لها الجهة العامة التي يعمل لديها عضواً، ومن رئيس اللجنة النقابية في الجهة التي يعمل لديها العامل أو رئيس اللجنة النقابية المختصة في حال عدم وجود لجنة نقابية /لأي سبب كان/ عضواً أيضاً».
توجيه شفهي
أما عن الأسباب التي دعت اللجنة الثلاثية المفترض أن يكون أحد أطرافها مدافعاً عن مصالح العمال إلى ارتكاب مخالفة تصدير موافقتها على نقل العاملين المعنيين بعد صدور القرار بيوم واحد، فقد كشف مصدر مطلع على توقيع المحضر فضل عدم ذكر اسمه أن توجيهاً شفهياً صدر بالتوقيع على المحضر نقله مدير مالية دمشق إلى أعضاء اللجنة على حد قوله، معترفاً بأن مراحل صدور القرار كانت ملأى بالأخطاء، لدرجة أن أسباب النقل لم تكن واضحة، وقِس على ذلك بقية قرارات النقل الأخرى، مع إشارته إلى أن شعار تدوير العاملين المعلن من قبل الوزارة والمديرية لم يُنفذ، والدليل على ذلك نقل عاملين من مفاصل إلى مفاصل أخرى مماثلة من دون الاستناد إلى مبررات مقنعة، وقال: إن 80% من التنقلات تأتي بتوجيهات من الوزير و 20% من إدارة مديرية المالية، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه فلن يبقى موظفون في المديرية.
من دون أدلة
حديث المصدر واللقاء المطول معه، أزاح الستار عن الكثير من المسائل، أهمها استمرار التحقيق مع موظفين بشأن تهم الرشوة والابتزاز المنسوبة إليهم، وفي هذا الشأن يؤكد المصدر أنه لا شيء ملموساً بشأن تلك التهم، وكل ما هنالك أن أسماءً لبعض الموظفين تأتي من الوزارة إلى إدارة المالية لإجراء التحقيق معهم، وكان آخرها التحقيق مع 11 موظفاً معظمهم من رؤساء الشعب ولكن من دون التوصل إلى ما يثبت إدانتهم، حتى إن المصدر لا يعلم إذا ما كانت هناك شكاوى خطية مقدمة إلى الوزارة من قبل مراجعين احتكوا مع هؤلاء الموظفين أم إن الأمر برمته قائم على تناقل الأحاديث «القيل والقال» على حد تعبيره.
تحت التصرف
الأخطاء الإدارية في التعامل مع قرارات النقل لم تتوقف عند القرار المذكور، بل تعدت ذلك إلى إدراج موضة الوضع تحت التصرف، ففي الوقت الذي لم يعد يصدر فيه الوزراء قرارات وضع بعض الموظفين تحت التصرف، نجد أن موظفين في مالية دمشق نالوا شرف هذه المرتبة ووضعوا تحت تصرف رئيس قسم الشؤون الإدارية في مالية دمشق بتوجيهات مكتوبة منه لفترة زمنية وتم نقلهم لاحقاً، وهو أمر لا يجوز قانوناً لرئيس القسم، ولا نعلم فيما إذا كان هناك موظفون آخرون ما زالوا تحت تصرفه.
تكريم المدانين
وتستمر موجة التنقلات في مديرية مالية دمشق لتشمل موظفين آخرين وعددهم 17 موظفاً بقرار صدر حديثاً عن وزير المالية ولكنه مختلف عن القرار السابق، ومن يدخل في تفاصيله يجد أن بعض العاملين المنقولين لم تخلُ بطاقاتهم الوظيفية من عقوبات تبدأ بالتنبيه مروراً بتلقيهم إنذارات وصولاً إلى عقوبات بناءً على مقترحات تقارير تفتيشية لأسباب تتعلق بالتقصير في العمل وعدم الالتزام بالدوام الرسمي، وعدم الاكتراث بالأعمال الموكلة إليهم، إذ استطاعوا الفوز بمواقع وظيفية لها احتكاك مباشر مع المكلفين، في حين أن موظفين آخرين خلت بطاقاتهم الوظيفية من أي عقوبات تذكر وتم نقلهم أكثر من مرة خلال مدة زمنية قصيرة من أقسام إلى أقسام مثيلة من دون سابق إنذار أو حتى ذكر للأسباب التي دعت إلى نقلهم، وكل ذلك تحت شعار التدوير، والسؤال الأهم، من يقترح نقل تلك الأسماء، وعلى ماذا تعتمد قرارات النقل، ومن المستفيد من إزاحة موظفين وإحلال آخرين مكانهم…؟
تدوير الموظفين
ومع استمرار التحقيقات في مالية دمشق بشأن تهم الابتزاز والرشوة، أليس من المفترض أن تصحح قرارات التنقلات مسار عمل بعض المفاصل، وإذا كانت تلك القرارات التي شهدتها مديرية مالية دمشق تهدف أولاً إلى إبعاد الفاسدين، فهل تم إبعادهم حقاً؟! أما إذا كان الهدف منها تدوير الموظفين لاكتساب خبرات جديدة في العمل، فما الغاية من نقل موظفين في أقسام إلى أقسام مثيلة، وهل تم النقل بناءً على أسباب موجبة أو محددات تستدعي النقل كتقارير الرقابة أو إثبات إدانة ما، أم إنها تنقلات مبنية على «القيل والقال» والمكائد أو لتحقيق مصالح شخصية…؟

print