-«تحبّ النوم»؟!.
-كم مرّة سألت نفسكَ عن الحبّ قبل الرحيل.. كم مرّة سألناكَ عمّا أضمرته خلف هذا السؤال بعد الرحيل؟!.
عشر سنواتٍ مرت على تماهيكَ مع الثرى، وما زلنا نفتش بين كلماتكَ عن سرّ هذا الحبّ، وأنت من كان يُبغضه النوم، وتخشى من ثقل صحوته الأسِرة العابرة، وحدها الأرض كانت تنتظر أن تفتح لكَ حضنها إلى الأبد، ووحدكَ من آمن بأن النوم في عمقها ما هو سوى سيادة لنفسكَ على نفسكَ، ووحدك يا «محمود» من رأى أن النوم ما هو سوى حياة بلا تكاليف، بلا هزائم، بلا انتصارات، بلا انكسارات، بلا أمجاد، بلا قرع طبول، بلا أصوات رصاص، حياة لطالما سعى الجلاد لسلبها منكَ قهراً، وعوزاً، وتهجيراً، ونفياً لوجودك الآني، فصرخت في وجهه من حضرة غيابك:
-«حيّ في موتٍ مجازي مُنْتقى بعناية ملاك، لتمرين الجسد على زيارة اللامرئي بهيئه اللائق باللائق»، ولأنك كنتَ تؤمن بأن النائم لا يكبر بالنوم، ما زلتَ تخيف حصون أعدائكَ، لأنهم على معرفة بأن حجارتها سوف تهرم أمام رفاتك وأنتَ تسأل نفسكَ: «ماذا فعلت اليوم؟ وتنوس بين ألم النقد ونقد الألم.. وتدريجياً تصفو وتغفو في حضنكَ الّذي يلمّك من أقاصي الأرض، ويضمك كأنكَ أمّكَ»!.
-«تحبّ النوم»؟!.
«وأنتَ الـمُفرغ من لقاء ووداع -كما وصفتَ نفسكَ قبل الغياب وأنت تجادل المطارات في غيها- تجلس على المقعد الجلدي وتنام، وتستيقظ لأن مسافراً مستعجلاً تعثر بكَ واعتذر من دون أن ينظر إليك.. وتبحث في الجرائد عن آخر أخباركَ: هل من بلدٍ يقبل بي؟ فلا تجد فيها، في الجرائد، إلّا أخباراً مفصلة عن الحروب والزلازل والفيضانات، لعل الله غاضب على ما يفعله البشر بالأرض، لعل الأرض حبلى بالقيامة»!.
وها نحن الآن في ذكرى نومكَ العاشرة يا «محمود درويش» نسألكَ، أن تأتينا بجواب عن كلّ ما يجري في بلاد قلت عنها «في دِمَشْقَ، تطيرُ الحماماتُ/ خَلْفَ سِياجِ الحريرِ/ اثْنَتَيْنِ/ اثْنَتَيْنِ/ في دِمَشْق/ أَرى لُغَتي كُلَّها/ على حبَّة القَمْحِ مكتوبةً/ بإبرة أُنثى/ يُنَقِّحُها حَجَلُ الرافِدَيْن».
فيهزك الجواب، وأنت من لم يتعلم الهرب، قد تداري دمعنا فيكَ، وتقول: «منذ نصبت القلم والدفتر شركاً لاصطياد الحلم، جفل الحلم من التدوين، ربما لأنه لا يرغب في أن يُكتب أو يُطلب عند الحاجة، فلا تنتظره كما تنتظر الوحي.. سيأتي هو السيد، حين لا تنتظره، ويصحو في الصباح مبللاً بندى يرشح من عناق الليل والنهار، وتسير إلى الغد الّذي فتحه لكَ الحلم بكلمات مبهمة، تأخذك إلى أعلى وأبعد من هذا القاع، فاذهب معها.. مع الكلمات، والعب بها لعبة البراءة والقصد واكتب بها ما فاتك من السماء، وتوقاً إلى الطيران يجعل الأرض أكثر استدارة، فليس كلّ ما كان سيكون، وليس كلّ ما سيكون كان، فلا تثريب عليكَ إذا حدث خلل طارئ في هبوط الحلم عليكَ».
-وهذا الكابوس يا محمود؟
-«يأخذكَ الكابوس إلى مرتفع يطلّ على مرتفع بينهما هاوية لا يبلغ البصر قرارها.. وتحاول القفز من المرتفع إلى المرتفع فتسقط في الهاوية وتصحو على صراخكَ المبلل بالعرق.. ويأخذكَ الكابوس إلى احتفال رسمي وحين تصعد المنصة تجد نفسكَ حافياً عارياً، من دون أن تتمكن من النزول عن المنصة، ويأخذك الكابوس إلى امتحان لكنّه لم يأخذك مرّةً واحدة إلى موتٍ أكيد».
-«تحبّ النوم»؟!..
-انهض وحلمكَ واروِ لنا ما رأيت: في دِمَشْقَ/ تسيرُ السماءُ/ على الطُرُقات القديمةِ/ حافيةً حافيةْ/ فما حاجةُ الشُعَراءِ/ إلى الوَحْيِ والوَزْنِ والقافِيَةْ؟/ في دِمَشْقَ/ ينامُ الغريبُ/ على ظلّه واقفاً/ مثل مِئْذَنَةٍ في سرير الأَبد/ لا يَحنُّ إلى بَلدٍ/ أَو أَحَدْ…/.
fatehkalthoum@gmail.com

print