في المنظار العام، لا يبدو الواقع الدرامي بحاجة إلى ندوات كثيرة وطاولات مستديرة كي نضع الإصبع على الجرح، فالإشكالات أو بالأحرى المعضلات باتت معروفة للقاصي والداني خلال سنوات الحرب حيث يجمع النقاد على تفاقم الاختناق الدرامي وتشعب المعاناة سواء من ناحية التمويل أو توافر المحطات العارضة أم في سياسة المنتجين الذين يحاولون فرض سيطرتهم على شخصيات الأعمال الدرامية وسلبها هويتها السورية بالتحديد.. فما يمكن أن يقال في هذا الإطار كثير وثقيل من ناحية العناوين والقضايا التي ينطوي عليها، وربما إذا عدنا إلى ندوات قديمة سبق أن عقدت من أجل هذه المسائل سنكتشف أن الندوة التي عقدتها المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني سنة 2014 للبحث في «مستقبل» الدراما السورية، بمشاركة عدد كبير من الفنانين وشركات الإنتاج والعاملين في صناعة الدارما السورية، أثبتت اليوم فشلها التام، لأنها لم تستطع إيقاف الانزلاق السريع للدراما، والذي تحدث مخرجون وكتاب ووزراء يومها عن أسبابه طارحين حلولاً جذرية، ومشروعات استراتيجة لنجدة هذا المنتج الفكري السوري المهم، حلولٌ لم تحمل حتى قيمة الحبر الذي كتبت فيه للأسف!.
اليوم، وبعد أعوام قليلة تفصلنا عن ذاك الفشل، أقامت جمعية «عين الفنون» ندوة عن مشكلات الدراما السورية في مركز الجمعية في العفيف، أدارها الفنان مصطفى الخاني واستضافت الفنان دريد لحام والمخرجة رشا شربتجي، وقد دعم الندوة السيد وزير الإعلام محمد رامز ترجمان الذي حضر متأخراً وجلس مع الجمهور حاملاً معه ملفاً مهماً لحل إحدى مشكلات الدراما وهي المشكلة التسويقية.
في البداية، لم ينكر الفنان دريد لحام التراجع الذي عصف بالدراما السورية، لكنه من ناحية أخرى أشار في مداخلته إلى الظلم الذي وقع عليها.. يقول لحام: «الدراما السورية صنعت بعض الأعمال الناجحة، لكنها وقعت في خطأ التكرار فراحت تصدر نسخاً من هذه الأعمال، مركزةً على الكمّ لا على النوع، وهو أحد أسباب تراجع الدراما».. النقطة الجوهرية التي يشير إليها لحام هنا هي مسألة الهوية التي يمكن أن تعطي العمل خلوداً ومكانة إبداعية عالية.. يضيف: «الأعمال العربية المشتركة أحد مظاهر هذه المشكلات وهي التي تهدف إلى تسويق العمل، ويظهر فيها حجم الاختلاف في الإبداع بين الممثل السوري الأكاديمي الموهوب والممثل العربي ذي الأداء العادي».

المخرجة رشا شربتجي طرحت عدّة قضايا مهمة جداً، مؤكدةً أن أهم المشكلات التي تعانيها الدراما السورية ندرة النص الجيد: «بدأنا نعانيها منذ عام 2010، وقد تفاقمت هذه المشكلة مع هجرة الكوادر الإبداعية الشابة بسبب الحرب، إلى جانب عدم قدرتنا على إقامة (ورش في كتابة النص) بحيث يكون النص من كتابة مجموعة من الكتاب تحت إدارة كاتب محترف أو روائي، ولاسيما أنه ليس لدينا اختصاص في المعهد العالي للفنون المسرحية للتدريب على كتابة السيناريو»، مقترحةً إقامة مسابقات للنصوص الجيدة في كل المجالات الاجتماعية والشامية والرومانسية والكوميدية التي غدت نادرة، حيث نصل إلى النصوص المغمورة التي لا تصلنا.
مشكلة قلّة الكوادر وغياب بعض الفنانين أثرا أيضاً في سوية الدراما السورية برأي مخرجة «غزلان في غابة الذئاب»، يضاهيه غياب المنتجين وخوفهم من السخاء على العمل، وتحكم رؤوس الأموال العربية بهوية الأعمال.

المشكلة الكبرى التي تقف عائقاً في وجه الدراما السورية -حسب شربتجي- هي التسويق، فهناك مقاطعة شبه كاملة للمنتج السوري من قبل المحطات العربية، الذين لم يشتروا سوى بعض أعمال البيئة الشامية التي تناسب توجهاتهم ونياتهم اتجاه الدراما السورية: «كان هناك قبل الحرب توجه لطمس هوية العمل السوري الذي أصبح عليه طلب كبير، ولاسيما في الفترة التي قدم فيها العائلة السورية البسيطة بمشكلاتها المفرطة في الواقعية، تقصدت بعض المحطات التدخل في هذه الأعمال ليصار إلى فقد الهوية السورية، فبعد إنتاج العمل على سوية عالية، لا نجد من يشتريه» مشيرةً إلى أن «شوق» خاسر إنتاجياً حتى الآن، رغم أنه حقق نسب مشاهدة عالية، ومؤكدةً أن الحلول ليست فردية بل يجب أن تكون جماعية وتبدأ بالتحكم برأس المال من خلال إيجاد معادلة أو مؤسسة ترعى التكامل في تسويق الأعمال بين المحطة والمنتج والمعلن (الراعي)، وقد استحضرت رشا مصر كمثال قريب في اقتصاده من الاقتصاد السوري، لكنها تملك قمراً صناعياً وثلاثين محطة، وتالياً لا يهمها إن قاطعتها دول الخليج، داعية إلى إيجاد اتحاد لشركات الإنتاج لدعم الدراما السورية والتسويق السليم لها، حيث تعمل هذه الشركات مع وليس ضد بعضها، ونصل تالياً إلى شراكة في تسويق العمل… تقول رشا: «المستقبل لقنوات اليوتيوب، نستطيع إنشاء قنوات على اليوتيوب وإنتاج مسلسلات مقبولة التكاليف ورفعها على هذه القنوات، بعد دراسة اهتمامات الجمهور وتلبيتها، فالإغراق بالمحلية هو الحل».
الفنان مصطفى الخاني انتقد تعليق مشكلاتنا بالجملة على شماعة الحرب، مشيراً إلى أن الاعتراف بالفشل هو أول خطوة في طريق النجاح، رابطاً ذلك بتقصير الإعلام السوري في تقديم النقد الدرامي التحليلي العميق والمتمكن، الذي يشير بإصبعه إلى الأخطاء، ليحاول صناع الدراما تجنبها في الأعوام القادمة.

«تشرين» اعترضت على اتهام الخاني بالتقصير، مؤكدةً أن الصحيفة فنّدت الموسم الرمضاني عملاً عملاً، ثم أقامت بعد العيد ندوة عن المشكلات التي تعانيها الدراما السورية، لكن مشكلة الفنان السوري أنه ما أن «ينجّم» حتى يصبح الوصول إلى أي نجم في السماء أسهل من الوصول إليه، أو حمله للرد على هاتفه الجوال، فهنالك مقاطعة من قبل الفنان والكاتب والمخرج السوري لإعلام بلده، في حين أن أي قناة أو صحيفة عربية قادرة على جذب ابتسامة الفنان السوري العريضة، وحمله على قطع المسافات الطوال لإقامة حوار قد لا تتجاوز مدته ربع ساعة.
الخاني أجاب «تشرين» بتساؤلٍ مفاده: لماذا كان الفنان السوري منذ عشر سنوات يحلم بالظهور على التلفزيون السوري، بينما اليوم يعتذر؟!، مجيباً بأن سويّة البرامج السيئة على القنوات السورية ولاسيما المختصة بالدراما هي السبب، فهذه البرامج تستضيف أناساً لا علاقة لهم بالوسط الفني وتدير حوارات بمستوى ثقافي منخفض، ليس لدى المحاورة فيها أدنى فكرة عن العمل الذي تحاور ضيوفها عنه، «وتالياً حين يتصل بي هذا البرنامج بالتأكيد سأعتذر».
الموسيقار طاهر مامللي أشار في مداخلة له إلى أن أجر الموسيقي السوري أصبح في الحضيض، وهو ما يدفع الموسيقين إلى مغادرة البلد، وتحصيل قيمة حقيقية لمؤلفاتهم الموسيقية، داعياً إلى رفع أجر الفنان السوري، كي لا نضطر إلى خسارة المزيد من المبدعين السوريين.
وزير الإعلام محمد رامز ترجمان حمل معه حلولاً بشأن تسويق الأعمال الدرامية السورية، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل حالياً لإيجاد سوق للدراما السورية في بيروت، يتم من خلاله طرح الأعمال السورية الجديدة إضافة لاقتراح رفع سعر الحلقة بالتلفزيون السوري وتنظيم مهرجان للدراما السورية.
لعل هذا الوعد الوزاري إلى جانب الحلول التي اقترحتها شربتجي كفيلة بانتشال الدراما السورية، والتي تنبه إلى خطورتها صناع الدراما العربية، واختاروا محاربتها ومنافستها بطرق شريفة وأخرى غير شريفة، ولربما ستأخذ وزارتا الإعلام والثقافة والمؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني هذه المرة بالحلول القيّمة التي تم طرحها في الندوة، فلا نضطر العام القادم إلى عقد المزيد من ندوات الندب واللطم، بل احتفالات بإعادة عهد النجاح السابق إلى الدراما السورية.

print