حتى القطع الصغيرة من الأراضي، والحيازات الزراعية، وكذلك سفوح الجبال وأرض البور؛ تمايزت باسم، اسم ربما احتاج أن يردده الآلاف من البشر الذين كان لهم مع هذا المكان أكثر من حالة مرور بجواره، أو نقطة علاّم، حتى انتهى الاسم على ما هو عليه للمكان.
إطلاق اسم للمكان يأتي من معايشة «إنسانية» مع هذه التلة، أو هذا السفح، أو ذلك الوادي، وهذه القرية. من هنا ربما جاء اسم المكان من سمة عامة في شكله، أو وعورته، بساطته، أو خصوبته، أو قد يكون لقحطه وضيق العيش في تفاصيله. اسم يصير جزءاً من المكان تماماً كعيني الإنسان، باعتبار أن «عينينا هي أسامينا» كما غنت الرائعة فيروز.
من هنا عندما نُغير اسم المكان، وكأننا نقتلع عينيه، أو أقله نضع عدسات لاصقة، تُغيّر في علاماته الفارقة، التي عُرف من خلالها عبر مئات إن لم يكن آلاف السنين. ومن هنا، تبدو كارثية ما أقدمت عليه الجهات الإدارية في المحافظات السورية المتعاقبة خلال سنين طويلة، عندما نزعت عن الكثير من الأماكن، والقرى على وجه الخصوص، أسماءها الموغلة في الأرض السورية العتيقة، ومن نافل القول هنا، أن نُذكر إن كل مكان أو قرية يبدأ بالحرف «باء» يعني «بيت» في اللغة الأم للسوريين، وأقصد بذلك اللغة الآرامية السريانية، التي تعد العربية لهجة منها. كـ«الملكة» التي تعني بيت الملكة. كذلك من نافل التذكير هنا – ربما- إن القرى والأماكن التي تنتهي بياء ونون، هي أيضاً أسماء سريانية موغلة قدامة، كقرى حمين وبقين وغيرهما الكثير.
ولذلك أدت عمليات «تعريب» أسماء تلك القرى والأماكن السورية العتيقة إلى ما يُشبه انفصاماً في شخصية المكان، بتضييع الاسم القديم، أو على الأقل خلخلة الثقة به، ومن ثم فلا الاسم الجديد نجح، ولا الاسم القديم بقي على حاله، وأنت مضطر في كل مرة لأن تُذكّر بالاسمين معاً، مُحدثاً شرخاً مهوّلاً في شخصية المكان.
نتساءل: ما الحكمة في تغيير اسم عريق مثل قرى في محافظة طرطوس من «كرتو» إلى «الكريمة» أو اسم «المندرة» إلى «المنزلة»؟! وما الحكمة من إلغاء التاريخ السوري القديم، ولصقه بتاريخ يُعد حديثاً في عمر وتاريخ هذا الكون. لماذا ننسب حضارات عمرها ما يُقارب عشرة آلاف سنة إلى حضارة جاءت بعدها بآلاف السنين، وفي كل الأحوال لا يركب الاسم الجديد، وإن «تخلخل» الاسم القديم بعض الشيء، ومن ثم الوصول إلى الانفصام ليس في شخصية المكان فحسب، بل وفي شخصية من يتعايشون مع هذا المكان.

print