اسمها «آمون» لكنهم كانوا ينادونها «سلمى»، ربما لغرابة اللفظ، غير عارفين أن معنى «آمون» هو «إله الشمس» عند الفراعنة، وأنّ قدرَها إلهيُّ الهِباتِ في قدرتها على العمل منذ أن تُعلن الشمس بكورتها حتى مغيب نشوتها، وأنها كــانت تشبه «التــايتانز/Titans» أي الجبــابـرة/ أبـنـاءُ «جايا/الأرض» و«أورانوس/السماء» كما تروي الميثولوجيا اليونانية، الذين كانوا يتنافسون في حمل أكبر الصخور على أكتافهم ليثبتوا أنهم الأقوى والأقدر على التحمّل ضمن «مجمّع الآلهة اليونانية»!
هي جدتي لأبي، الشاعرةُ بالفطرة، التي كانت ترسمُ منمنماتِ أرواح أحفادها بألوان الماء. كلماتها موسيقا، فاللهجة وطريقة إلقائها تحمل سحرها ونكهة البخور، لها أنغامها السائلة بين أحرف الأبجدية، وكأنها حبلٌ سريّ يربط بين أفكار كتابٍ متباعدين في الزمان والمكان، كأنها روحٌ هائمةٌ تتقمّص أجسادَ الأقلام والكتب تاركةً فينا إبداعَ كل أسلافها العظماء. كانت مكتبةَ نصوصٍ أدبية، ومكتبة ً موسيقية، أو بالتعبير التكنولوجي الحديث، كانت «فلاشة» كرت ذاكرة بمئات الغيغابايت، كمبيوتراً محمولاً.. كانت تمتلك ربما ألف بيت من الشعر تلقيه غناءً أو إنشاداً أو موسيقا بإيقاعاتِ حزنها العتيق، وحشرجات صوت كهدير موجٍ بعيد.

تلقي حكاياتها أمامنا نحن الصغار المدهوشين من ذاكرتها البصرية الثريّة، حيث إنها كانت تعرض أمام مخيلاتنا مئات المشاهد السينمائية من سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل، إلى قصة البطل «سيف بن ذي يزن»، إلى سيرة عنترة بن شداد، إلى حكايات ألف ليلة وليلة… كل ذلك وهي تحضننا كما تحضن الدجاجة أفراخها، وتلفّنا برائحة الحطب المعتّق في ثيابها بينما نحن نعيشُ العالمَ مرتين، ونستشعر السعادة مراراً، ونغفو على صوتها، بينما الأميراتُ والساحرات والكنوز الذهبية واللصوص الظرفاء والقراصنة والسلال الملأى بالفواكه، والخيول والثعالب الماكرة والنوارس البحرية وشباك الصيد والأسماك والحيتان الضخمة تملأ أفكارنا وأحلامنا.. ننام أبداً لا كما الآن حيث أخبار السياسة والاقتصاد والتقطيع والانهيارات والكوارث والفجائع تثقب معدنا وتنخر عظامنا وتتسبب بجلطات دماغية حتى ونحن نيامٌ.
تُذكّرني جدتي بكل النساء اللواتي بقين كوكبةَ نجومٍ مضيئة في عتمة التاريخ، تذكرني بنساء «أسبارطة» الحزينات على ضياع أمجادها، بالرومانيات اللواتي كنّ يكشفن أجسادهنّ للمطر طلباً للخصوبة، فكثيراً ما شاهدتُ في طفولتي، أنا حفيدها المدلّل، ابتهالاتِها الليليّة لربٍّ رحيمٍ عالٍ، لضوءِ القمر الرخاميّ، شفاعةً وتضرّعاً، بل تواصلاً واتصالاً بحبل سرّتها القدريّ، كأنها تتقمّص روح أسلافها كالضوء المنبعث من ذاكرتها الصافية، من ضَمّةِ كفّيها، ودموع عينيها الصغيرتين!.
تذكرني بـ«شهرزاد» وهي تخفِّفُ من نزقنا نحن أحفادها الذكور/الشهريارات الصغار، وكيف تُعلّم حفيداتها أن التدّخل في أمر السياسة والدين يُقلّل من قيمتهن وتلقائية أنوثتهن، فتجسّدت أمامنا كآخر «التايتانز» العظماء؛ تبذرُ وتشتلُ وتحطّب وتسقي الدواب وتربّي الدجاجات والعنزات بل تتحدث مع كل واحدة كأنها فرد من أفراد العائلة… وتحملُ صخورَ الكروم لتبني حكايتها الخاصة، وحكمتها الدائمة: «كلُّ مال الدنيا وقصورها لا يعادلُ لحظة صحّةٍ وعافية»!.
في فجر التاريخ أو في المجتمعات التي نسميها بدائية، حيث كان الرجال والنساء يجتمعون ليرووا قصص آلهة القبيلة وأسلافها، غناءً وموسيقا تنسجُ علاقتهم بالأحياء والأموات الموجودين بينهم بشكل مؤكّد، وحيث يكون «الشعرُ والدِّينُ والعِلمُ والسحر والغناء والرقص أمراً واحداً شاملاً».. في هذه الحال، وحسب الشاعر أوكتافيو باث، لا يعود مهماً إن لم يقرأ الشعرَ أو الكتبَ سوى قلة ٌ من الناس كما حال اليوم «فالحفاظ على الذاكرة الجمعية من قبل جماعة ما، مهما كانت صغيرة، هو سجلّ خلاصٍ حقيقي للمجتمع بأسره، فبمعونة هذه السجلات تعْبرُ الثقافاتُ والتقاليد بحارَ الزمن». وهكذا هم الجدات والأجداد -هل نقول: الروائيون والشعراء الحقيقيون أيضاً؟!- هم تاريخٌ واختزالٌ وتجديدٌ في الوقت نفسه لمكتبةٍ كونيةٍ متنقلة يزرعونها في عقول الأطفال كما كانوا يزرعون القمح والزيتون، بل كما كانوا يزرعوننا ويخبزوننا على نار الحب، ليقولوا لنا إننا لانزال أطفالاً في هذا الكون العجوز، ونحتاج هدهدة الحكايات، تماماً كما نحن بحاجة للقراءة والكتب، كي نهدأ من رعبِ أننا زائلون.. فننسى وننام!.

print