تفقدت في غربة القدس صبايا العراق، وعدت يسامرني قفر الحصار وما من غائبة في أرض العروبة إلا مفارش وحدتها. وياويح قلبي الجريح قرب مصرعها إذا اختلف العرب (على أينا تأتي المنيّة أول)..
ويا زمان النبيين ضجّت جروح النبيين بـ«قل هو الله أحد» واعتراني من القدس حزن فجن الهوى، ولي منك آية الكرسي في فؤادي وللسامري خوار العجل والذهب. ولسوف يرتجّ الزمان أسىً عليك وتعزف آلامي تشكو، ليتني كنت يا أميرها ويا ليت التي كانت على هواك تهواني..
ورثت عن أبي قرآن الصباح وخاتم العقيق ومسبحة وما درى والدي حين فتح بابه على باب القدس أن يمنى كتابي جروحي ودمي العقيق ونبض قلبي مسبحة. ‏
وحينما غاب عني مثل نسمة العافية سقطت على دقات قلبي وتركت لأولادي أيقونة الأقصى ومحرابه وصهيل جوادي وصرختي مئذنة، وهجوت أيام العرب..
‏وتركت دالية من ليلة القدر وأعلاماً طرّزتها من ثياب إحرامي وقلمي الذي لم يكتب شيئاً عن يوسف الذي أحب صورة وجهه في أحجار السجن. وقيل لي لم يأكله الذئب ولم يمت ولم يسرقه أحد فصدقت في عراء طفولتي براءة الذئاب.. ‏
يا سيدي الأقصى.. مرة أخرى يدور الزمان عليّ، والدهر يا وطني الطيب يومان فيوم عليّ ويوم عليك.
وتركت وعر الجبال وتركت أحزان الجنوب مثل السيف..وتركت طفلاً يلعب في برق المطر وجذور الأرض وتركته يمد يداً إلى جيبي كيما تخرج الكلمات بيضاء أضوأ من لؤلؤة وأنصع من شكل الولادة، وناديتك لابد من يدي كي يزهر الفل على سرير حبيبتي وأنام.. فاجمعني يا وطني الطيب عليك. وأعترف بأني تركت قفير النحل في فم القصيدة فوجدتني آخر الشعراء أنا.. وحينما جاء الغزاة إلى بابي لم أجد اسمي في آخر الشهداء فألصقت وجهي فوق خريطة القدس وتركت لأولادي صوتاً يشبه المسجد الأقصى وشمعة لكنيسة تشبه وجه مريم.. وتركت للآتين بعدي سورة الفاتحة.. أفتش عن حبيبتي في شواطئ قرطبة فأرى عيني الكسولة وأرى في دموعي دخان قبلتها ودمي الوحيد يناديني ويقاتل وحده ضد الأسلاك الشائكة وضد الجدران وضد القتلة، وضد الفتن المقبلة وضد أحلاس الظلام.. وأتلو إني تارك فيكم كفن المدينة، أقول آه.. كي لا يسقط قمر القدس، وأقول آه.. بملء صرختي كي يساقط المطر وكأنما أرجعته القدس الشريف من جولانها، فكان النهر وكان عناق.. ويا دمشق لك الصباح والباقيات ورائحة الفجر وخواتيم النبي، ولم تزل في دمشق وردة السيف، ولم يزل في كفها دمشق كفة الميزان ومحبرة القلم. فتركت في جوف الليل أبوابي مفتحة وصحوت على قبة خضراء في باحات سندسها.. وناديتها هنا يصحو الوطن العربي ولا أنام..

print