القضية معرفية ترتبط بالجماليات وشحذ المخيلة وتمرينها على سباق المسافات الطويلة، فما يؤكده الدكتور باسم دحدوح عميد كلية الفنون في الجامعة العربية الدولية وهي الداعية للملتقى التشكيلي المقام حالياً في قلعة دمشق، ينطوي على مقولات أكبر من «الرسم لأجل الرسم»، خاصة أن الاستسهال في الفنون وصل حدَّ تسويق الرداءة تحت ذرائع التشجيع كأننا أمام ظاهرة تشبه تصنيع نجوم الأغنيات الهابطة التي لا تعيش أياماً معدودات في إذاعات الإف إم!. اثنا عشر فناناً مشهورين بتجاربهم الرائدة اجتمعوا في قلعة دمشق في حوارية بصرية جمالية من العيار الثقيل، هذه اللقاءات بمستواها العالي، كما يقول دحدوح، يمكن أن تبشّر بدور يلعبه الفن في الارتقاء بالجمهور ومداواة التصورات المعطوبة عن دور الفنون في التربية والمجتمع، فخلال سبع سنين من الحرب، طفا على السطح كل أنواع الزبد ما يتطلب تشغيل المبضع لإجراء عمليات تشريح هائلة تعيد الجسد المنهك إلى حيويته قبل أن تحرفه عن مساره عمليات التدجين والتلقيح الاصطناعي الذي أخذ الفنون إلى ما هو ليس منها!.
>
في هذا الفضاء، يبدو الملتقى على درجة كبيرة من الأهمية وهذا أمر يتضح من ضربات الريشة الأولى على السطوح البيضاء لدى كل فنان، كأننا أمام خط بياني يعلو ويهبط في كل لوحة تبعاً لخصوصية التجربة الفنية ومهاراتها وأسلوب تلقفها للون والخط والانعكاسات فيها.. سيمفونية لونية هادئة تعزفها أسماء فيومي كأنها تؤسس بانوراما ضخمة لواقع بديل
، في هذه الآفاق اللونية التي تتضح بهدوء خلف بكرات التلوين التي وهي تكرج فوق القماش، يأخذ الفن شكل الحفر في الوجدان، لأن القضية كما أسلفنا أكبر من «همروجة» عابرة.. وإذا ربطنا الموسيقا بالتلوين، فإن فؤاد دحدوح يبدو منهمكاً بالإيقاع العالي وهو يطرش بثقة كي يرسم ذائقة مغايرة ومفاجئة، عمليات كبرى أشبه بتدمير المتوقع لصالح مغامرات اشتهر بها فؤاد في مسيرته الفنية، في هذه الانبلاجات اللونية الصاعقة، جرأةٌ عالية ومجموعة مهارات تعطي للفنون الأخرى الكثير من حيويتها كما يقول العديد ممن زار الورشة وشاهد الفنانين أثناء العمل.. جسور لونية بين ضفاف متباعدة يشرع ببنائها عبد الله مراد كأنه يصنع بركاً لونية لتغذية العين الجائعة، ولأن اللوحة لم تكتمل وهي في طور التكوين، فعلى الرائي أن يضع التصورات المحتملة للكائن الموشك على الولادة..
في لوحة إدوار شهدا، كان علينا أن نتخيل مسبقاً كيف سيقبل إدوار على كلّ هذا البياض الدافق من لوحة القياس الكبير؟ هل سيدخل في إيقاع الضربات الصاخبة للتلوين والخط أم سيبدأ بهدوء ثم تعلو الانفعالات انسجاماً مع مفاجآت المخيلة؟ يبدأ الفنان برسم الشخوص على خلفية بيضاء كأنه يجهزهم للهاوية التي تأخذ شكل الأبيض الناصع في الخلف، على المشاهد، هنا، أن يتخيل شكل الخلفيات والمحيط اللوني عند شهدا المعروف بذكاء لوحته وعفويتها اللونية كأنها الأراضي البكر.. المتعة أيضاً تظهر على حجم صياغات التوقعات في لوحة باسم دحدوح الذي استحضر مباشرة شخوصه الشهيرة ثم بدأ يرسم ملامح الواقع المفترض الذي عليهم التأقلم معه أو المشاركة في صياغته.. ثنائيات كبيرة وعالية بين الفنان وعناصر اللوحة، جعلت الوتيرة عالية عند باسم الذي يقترب ويبتعد عن اللوحة كأنه يغير زاوية المخيلة كي تتمكن العين من الانقضاض على احتمالات مختلفة في كل مرة.. الأسلوبية في تنفيذ العمل اللوني تستحق الوقوف عند جميع الأسماء التي تمكنا من التقاط أصابعها وهي تضع معالم الأكوان البديلة الموازية أو البعيدة عن كل ما هو متوقع..
مشاركة تجارب فنية من هذا الوزن في قاعة واحدة، تجعل حجم المواجهة أخطر من المتخيل، فالمشاركون يعولون على دور نخبوي للفن يمكن أن يعيد الرشد للجمهور الغارق في الهراء وتشوهات الذائقة المعطوبة بالتكنولوجيا والسرعة وتمجيد كل شيء هشّ!. يشارك في الملتقى إلى جانب الفنانين سابقي الذكر كل من يوسف عبدلكي، منذر كم نقش، غسان نعنع، عمران يونس، عدنان حميدة، نزار صابور، محمد شبيب.. في جميع الأحوال، فإن المعرض الذي من المقرر أن يختتم الملتقى، سيحمل الكثير مما تحدثنا عنه معرفياً وأسلوبياً في آن، إذ إن حجم التخطيات منذ لحظاتها الأولى، تقدم الأعمال بمهارات عالية محمولة على أفكار نبيلة كما تقول عصارات اللون وأقلام الفحم!.

print