لعل أجمل ما تنتهي إليه قصة حب، أن تصبح نصاً لمسرحية أو فيلم سينمائي أو أغنية مكتوبة. ربما كانت هذه غاية أدركها الرحابنة منذ زمن بعيد، حين ألّفوا موسيقاهم، فجعلوا الكلمة نهاية لا تلبث أن تكون بداية متجددة. لهذا السبب أيضاً تصرّ السيدة فيروز في أغنيتها «شو بيبقى من الرواية» بكثيرٍ من العنفوان والغضب «اكتبني اكتبني».
الفكرة السابقة جزء من دراسة تحليلية لموسيقا الرحابنة، قدمها الموسيقي عواد «جمال سامي عواد بالتعاون مع مشروع مدى الثقافي في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، بعنوان «كرم اللولو»، على أن تتبعها دراسات ومقاربات أخرى تتناول موسيقا الرحابنة بطريقة قوامها الصورة والصوت معاً، تتكئ على قراءة ذاتية، تنتقد وتستعير وتشبّه على غير المعتاد.
تأتي الأغنية ضمن مسرحية «ناس من ورق»، تأليف وألحان الأخوين رحباني وتوزيع إلياس الرحباني. تحكي كما يصفها الموسيقي عواد القصة الأزلية للريح وأوراق الشجر المصفرة، عدة وريقات يابسة، تتدحرج على الأرض وتحملها الريح الى أعلى لتعود وتهبط بانسياب على درجات عتبة بيت عتيق، يوماً ما كانت هذه الوريقات خضراء ونضرة مكتوبة على صفحة الغصن، كانت عنواناً للحياة، أما اليوم فلم يبق منها سوى تلك البقايا الخفيفة التي تحملها الريح حيث شاءت.
هذه الصورة نعرفها جميعاً وتتكرر كثيراً في مشاهد درامية أو صور فوتوغرافية ولوحات وغيرها، لكن من الجميل أن نراها مرسومة بالموسيقا، في نوتات منفصلة تظهر في بداية الأغنية كأنها تفر من البيانو كطيور السنونو، بسيطة بلحنها وأسلوبها ووزنها، تتقلب قليلاً حول أساس مقام الكرد، كأنها ورقة تدحرجها الريح فعلاً، ثم تطير الى أعلى لتهبط إلى ما دون أرض المقام».
يعتمد عواد على توصيف الصورة الموسيقية أو سماعها بشكل مختلف عن المعتاد عموماً، ما يفسح مجالاً لتساؤلات جديدة، منها مثلاً أن يصفق الجمهور في نقطة محددة، ربما كان ذلك لظهور السيدة فيروز على المسرح، وهو أمر لا يعرفه إلا من حضر المسرحية، لكن إذا علمنا أن الأغنية مسجلة مسبقاً ومجهزة باستديو للعرض أثناء العمل، فلن نجد مبرراً منطقياً أو ظاهرياً لتصفيقهم في لحظة انتهت بها الجملة الموسيقية. قد يكون لذلك دلالة في رأي عواد، كأن يستجيب الجمهور لما قدمته الجملة الموسيقية المرتبطة بـ «لاشعوره الجمعي»، شعر ببساطة أن الجملة اكتملت فصفق!.
«شو بيبقى من الرواية، شو بيبقى من الشجر، شو بيبقى من الشوارع، شو بيبقى من السهر»، هي صيغ أسئلة تقولها فيروز تباعاً عبر كليشهات استفهامية متشابهة ترافقها بإحكام ضربات «الباص» الثابتة، لتوحي بطبيعة الأسئلة في رسم نهايات مختلطة بين الاستفهام والتقرير والاستنكار المتصاعد في الأداء. ولو أمعنا النظر على طريقة عواد لشعرنا بجو عام من الانفصال والبعثرة في المقدمة، في اللحن والكلمة وأسلوب تنفيذ الموسيقا. ثم يتصاعد الاستنكار في الأسئلة «شو بيبقى من الليل، من الحب، من الحكي، من الضحك، من البكي»، يتصاعد اللحن معها وتتلاحق الجمل والإيقاع المتواتر والسريع، مع ارتفاع في قوتي الأداء والصوت.
في الأغنية تصطدم كل الأسئلة بإجابة بسيطة «بيبقى قصص صغيرة عم تشردها الريح»، يترافق هذا مع هبات من الإحباط والتراجع والخمود في الخلفية الموسيقية. هنا ترسم الموسيقا صورة تشبه في تركيبتها حركة الرياح وهي تحمل ما غنمته من الرواية، وتظهر خلالها ضربات البيانو واضحة تسير مع معمعة الريح.
يجد الموسيقي شبهاً في طريقة توزيع الأغنية ونظيرتها «حبوا بعضن تركوا بعضن»، على اعتبار أن الموسيقا فيهما تعبر عن علاقة حب في طور النهاية، تنفصل في نقطة ما، وهو أمر ينساق على الانسجام بين الشعر والموسيقا الرحبانية وحياة الرحابنة نفسها، في تطابقها مع موسيقاهم حتى إنه يمكن الحديث مطولاً عن علاقة الحب الخائبة في فن الرحابنة، منها أن فيروز لم تظهر مرة واحدة في علاقة حب عادية، لم تكن مع زوج وأولاد كما هو مألوف في الحياة، هي إما أن تكون بنتاً مرصودة أو فتاة فقيرة تسوقها الأقدار إلى «ميس الريم» أو «سيلينا»، أو تفارق حبيبها الهارب من «سفربرلك»، من دون أن ينسى عواد الإشارة إلى التزام الرحابنة الكامل بإخفاء شخصية «أم» فيروز لأسباب مازال يبحث فيها.
ترتفع طبقة اللحن عند طلبها «عالورق اكتبني، عالحزن، عالزهر، عالصيف وعالبحر، عالشجر عالضجر عالسفر اكتبني اكتبني»، حتى تكررها فيروز 5 مرات في المقطع الأخير، مع رجاء مبالغ به في الكلمات وأسلوب الغناء. يشرح الموسيقي «اكتبني لتخلدني، لأنفذ إلى المستقبل، لأعيش، لكن إن لم تفعل؟». تأتي الإجابة بسقوط صوت السيدة من أعلى المقام بهبوط حاد إلى أسفله، يلي ذلك صمت طويل يبتلع قصصاً وشخوصاً لم يكتبها أحد على الورق أو الصيف أو السفر. وستعود الريح لتحملهم وتذروهم على الطرقات والعدم. هذا ما تشير إليه العودة إلى بداية القصة «شو بيبقى من الرواية». يمكن لنا أن نفهم في رأي عواد لِمَ صنع الرحابنة أناساً من ورق، أرادوا التوغل بهم عبر المستقبل لنعيش التجربة الروحية الإنسانية نفسها، على الأقل من وجهة نظر ذاتية للموسيقي، فيها من الجدة الكثير ومن البحث ما يستحق الحضور والتأمل، ولن يكون سماع الأغنية بعد ذلك كما كان سابقاً.

print