لم يكن حفل المؤلف الموسيقي إياد الريماوي الذي أحياه مؤخراً على المسرح المكشوف في مجمع دمر الثقافي، (أوبرا دمر)، مفاجئاً من حيث الحضور الجماهيري الكبير الذي وصل للأربعة آلاف شخص جاؤوا بتعطش كبير لسماع الموسيقا التي وضعها صاحب الحفل لعدد من الأعمال الدرامية في تقليد اعتاد عليه منذ عدة سنوات، وأثبت من خلاله أنه صاحب مشروع موسيقي ناضج ومكتمل، وقادر على تحقيق الرواج الجماهيري المطلوب، مع إمكانية إصدار هذه الأعمال ضمن ألبومات موسيقية قابلة لتحقيق أرباح مالية مهمة، ما يفتح الأبواب أمام شركات الإنتاج الفني لولوج هذا المضمار المبشر بقوة بعيداً عن الارتهان للإنتاج الدرامي وظروفه الفنية المتقلبة، وخاصة مع وجود عدة أسماء أخرى من المؤلفين الموسيقيين الموهوبين من أصحاب المشاريع الموسيقية والمنتظرين لفرص إنتاج خاصة لمشاريعهم أمثال: طاهر مامللي وسعد الحسيني ورضوان نصري وإيهاب مرادني وغيرهم.. إضافة إلى عدد من المؤلفين الموسيقيين الأكاديميين الذين اقتصر تقديم مؤلفاتهم الموسيقية الآلية بشقيها الشرقي والكلاسيكي على حفلات الفرقة السيمفونية الوطنية والأوركسترا الوطنية للموسيقا العربية.
نقلات نوعية حققتها الموسيقا التصويرية مع النهضة الإنتاجية التي شهدتها الدراما السورية في منتصف تسعينيات القرن الماضي وصولاً إلى يومنا هذا، وعدة مشاريع موسيقية طموحة أعلنت عن نفسها ورسخت وجودها عاماً بعد آخر لتأخذ حضوراً جماهيرياً متزايداً وتقديراً عالياً من الأوساط الفنية والثقافية مع تنامي الإنتاج الدرامي ووصوله إلى الريادة عربياً، إلا أن هذه المشاريع الموسيقية في الوقت ذاته بقيت حبيسة الشاشة الدرامية، ولم تتمكن من ولوج السوق الفنية كأعمال موسيقية مجردة ضمن أسطوانات تجارية تسوق للجمهور بمعزل عن الفن الدرامي إلا في حالات نادرة.
المتابع لمسيرة التأليف الموسيقي الآلي (من دون غناء) في سورية يتلمس تجارب مهمة لم تكتمل لغياب الرعاية الإنتاجية في كلا القطاعين العام والخاص، التي تبدت أبرز ملامحها في الموسيقا التصويرية التي ترافقت مع الدراما الإذاعية والتلفزيونية والأفلام السينمائية ومن قبلهم في المسرح، ومنذ مطلع ستينيات القرن الماضي ظهرت عدة أسماء مهمة في هذا المضمار الإبداعي المميز كانوا هم رواد هذا القطاع الناشئ لدينا في وقتها، أمثال الراحلين عبد الفتاح سكر وإبراهيم جودت وعدنان أبو الشامات وغيرهم، حيث كان هذا القطاع الفني كبقية القطاعات الفنية يعتمد على موهبة وشغف العاملين فيه بعيداً عن الحسابات التجارية والمكاسب المادية، فالكل كان يعمل ضمن المنظومة الإعلامية والثقافية الرسمية في سبيل تقديم فن يرتقي بذائقة الجمهور ويحقق المتعة والفائدة في الوقت ذاته.. اليوم ورغم كل ما تتعرض له الثقافة والفنون من تحديات ترهقها وتصعب عملها، ومنها مغادرة عدد كبير من المؤلفين الموسيقيين إلى الخارج، إلا أن عوامل القوة والاستمرار لا تزال موجودة داخل المنظومة الموسيقية السورية، وكل ما تحتاجه لتزدهر وتأخذ طريقها للناس هو الرعاية والدعم وهذا يتطلب إطلاق مشروع موسيقي ثقافي نهضوي تتضافر فيه جهود وزارتي الثقافة والإعلام بمؤسساتهما المتعددة بما تملكان من إمكانات إلى جانب شركات الإنتاج الفني الخاصة والمؤسسات الاجتماعية الثقافية ذات الطابع التنموي للعمل على الاستفادة من الأرشيف الموسيقي الضخم لدينا، وتنسيقه وإعداده وإصداره للجمهور على شكل أسطوانات وألبومات إلكترونية، إلى جانب تبني المشاريع الموسيقية المعاصرة ودعمها وإنتاجها لتحقق عدة أهداف، أهمها التوثيق ورفع ذائقة المجتمع الموسيقية والحفاظ على الهوية الموسيقية السورية، وتثقيف الأجيال الجديدة بمنتج موسيقي سوري له قيمته الفنية والثقافية، وتحقيق المردود المادي المقبول لهذه الجهات الراعية ما ينعكس على الثقافة والمجتمع ككل في عملية تنموية اجتماعية ثقافية متكاملة تصب في المشروع الوطني الهادف لإعادة إعمار سورية الوطن والإنسان.

print