على مدار السنوات السبع العجاف؛ عانى الشعب السوري من قسوة العقوبات الاقتصادية التي أصبحت تكلفتها ثقيلة وباهظة، وتداعياتها ذات أبعاد اقتصادية ومالية واجتماعية، وتمس المواطن بشكل مباشر، ولاسيما عبر الضغط على الليرة السورية.
وفي هذا الملف نعرض تقريراً أعدته مديرية التخطيط والإحصاء والتنافسية في وزارة الإقتصاد بشأن العقوبات المفروضة على سورية وتأثيرها في ظروف الحياة للمواطنين السوريين بمن فيهم المجموعات الأكثر ضعفاً يبين أهم هذه التأثيرات السلبية.
تقول المستشارة الاقتصادية سمر قصيباتي
بعد الاستقرار النسبي الذي شهده سعر الصرف الأجنبي، ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية في آذار عام 2011 من 46,5ل.س إلى أكثر من 64, 3ل.س للدولار وسطياً عام 2012 حسب نشرة مصرف سورية المركزي، أما في العام 2013 فقارب السعر 135ل.س للدولار، وفي السوق السوداء وصل إلى سعر أعلى، حيث بلغ 300- 350 ل.س، أما حالياً 2017 فيتراوح بين 514-520 ل.س للدولار، وهذا الارتفاع الكبير بسعر الصرف أدى إلى آثار سلبية متعددة أهمها:
1- انخفاض القدرة الشرائية لليرة السورية بمعدل مقداره 42% لعام 2016 مقارنة بسنة الأساس 2010 وارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك بنسبة 510 بالمئة بحسب المكتب المركزي للإحصاء، وحسب أسعار السوق الحرة في فترة الأزمة، وتالياً تدهور كبير جداً في القدرة الشرائية للدخول وخاصة لذوي الدخل المحدود، ما زاد الأعباء والتكاليف على كاهل حياة المواطن المعيشية.
• بداية تشكل ظاهرة دولرة الاقتصاد السوري بسبب انعدام الثقة بالعملة المحلية بقصد أو بغير قصد، وهذا أمر خطر جداً، لكون الليرة السورية من مقومات السيادة الوطنية ولا يجب المساس بها، والتحرك بسرعة وجدية حيال ذلك.
• ارتفاع كبير في الأسعار المحلية، وتعود هذه الزيادة بشكل رئيس إلى ارتفاع مساهمة مكون الأغذية والمشروبات غير الكحولية وأسعار المشتقات النفطية والغاز، ولذلك هذا الارتفاع الكبير في أسعار المواد الحياتية للمواطن أثّر في تكاليف المعيشة ولاسيما أن معظمها مواد أساسية وضرورية وذات مرونة طلب منخفضة.
• ارتفاع أسعار وتكاليف السلع المستوردة بشكل عام، سواء أكانت سلعاً أساسية أم مواد داخلة في مستلزمات الإنتاج بسبب الحصار الاقتصادي المفروض، ما أدى إلى توقف عجلة الإنتاج أحياناً، طبعاً إلى جانب العوامل الأساسية الأخرى.
صعوبة تمويل المستوردات
أفرز حظر التعامل المالي مع المصارف المحلية صعوبات كبيرة أثّرت في عملية تمويل المستوردات، ما زاد من تكاليف المواد المستوردة، تلفت قصيباتي إلى أن كون المستورد يضطر لتأمين تمويله بطرق غير مباشرة أكثر تكلفة، ناهيك بالفرق في سعر صرف الدولار في السوقين الرسمية وغير الرسمية، إضافة إلى العقوبات المفروضة على فتح الاعتمادات المستندية والكفالات المصرفية، كل هذا له تداعيات سلبية على تأمين بعض المواد والسلع الاستراتيجية (السكر، الرز، الشاي، أدوية، إطارات، مسلتزمات إنتاج..) من جهة، وارتفاع أسعارها من جهة أخرى لتحمل المواطن أعباء إضافية، وتخلق ظروفاً صعبة لعمل مؤسسة التجارة الخارجية ومستوردي هذه المواد من القطاع الخاص أيضاً.
تراجع قيم المستوردات والصادرات
نظراً للعقوبات الاقتصادية المفروضة على الاقتصاد السوري، وارتفاع تكاليف الإنتاج من جهة أخرى، وتراجع حجم الإنتاج وخاصة المعد للتصدير من جهة ثالثة، تراجعت قيمة الصادرات السورية من 12,2مليار دولار عام 2010 إلى 10,5 مليارات ليرة عام 2011، ولتتراجع بشكل حاد إلى حوالي 4 مليارات دولار عام 2012 (حسب إحصاءات الانكتاد) وذلك في ظل تراجع إنتاج وتصدير النفط بالدرجة الأولى، وشبه توقف عجلة الإنتاج والتصدير، حيث قدرت الصادرات السورية عام 2014 بنحو 1,3 مليار دولار وفي عام 2015 سجلت الصادرات معدل نمو طفيف حيث وصلت إلى 1,42 مليار دولار وهذا بدوره يؤثر سلباً في قيم الناتج المحلي الإجمالي ومن ثم معدل النمو الاقتصادي، وبالتالي تراجع في الإنتاج والدخول وزيادة البطالة لينعكس بشكل نهائي سلباً على حياة ومعيشة المواطن.
أما بالنسبة للمستوردات السورية، فكشفت وزارة الاقتصاد أنه مقابل كل 100 دولار مستوردات هناك 26 دولار تصدير في عام 2016 وحول هذا التراجع تكشف القصيباتي أنها تعود للمبلغ شبه النهائي للمستوردات من قبل بعض الجهات التقليدية، ما خلق صعوبة في تأمين بعض السلع الضرورية، كالمشتقات النفطية، أو حدوث نقص في بعضها في السوق المحلية كمادة الخميرة وأكياس النايلون، ما يخلق بلبلة في لقمة ووسائل عيش المواطن.
قيام بعض الدول بإضافة بعض الرسوم الجمركية وغير الجمركية على السلع المستوردة ( تركيا، 30% مثلاً)، ما أدى إلى رفع أسعار تلك السلع المستوردة، لتساهم في المزيد من الضغط على معيشة المواطن.
صعوبة تمويل المستوردات كما ورد أعلاه.
آثار متعددة على قطاعات أخرى
وترى قصيباتي أن من الآثار الأخرى للعقوبات الأحادية الجانب:
• تراجع معدلات النمو الاقتصادي، ففي عام 2011 بلغ معدل النمو الحقيقي 3,6%، أما في عام 2015 فلا توجد إحصاءات رسمية، ولكن يعتقد أن الانخفاض كان بنسبة مرتفعة جداً.
• تدمير الكثير من الممتلكات السكنية والتجارية والبنى التحتية ومرافق الحياة، ما أدى إلى حركة نزوح وهجرة واسعة، أدت إلى الضغط على مرافق الحياة لبعض المناطق الآمنة.
• ارتفاع تكاليف نقل البضائع داخل البلد والسلع المستوردة بسبب ارتفاع هامش المخاطرة لدى الناقل بمختلف أنواعه البحري والبري والجوي من جهة، وامتناع الكثير من الناقلين بسبب العقوبات المفروضة من جهة أخرى.
• إيقاف تمويل المشاريع الاستثمارية العربية في سورية، الذي أثر سلباً في الدخول والتشغيل من جهة، والعرض السلعي من جهة أخرى.
• إيقاف الكثير من الخطوط والرحلات الجوية، وخاصة في ظل وجود أزمة في تحديث الأسطول الجوي السوري بسبب عدم بيع أو توريد قطع الغيار ذات المكون الأمريكي والأوروبي إلى سورية، لتساهم في زيادة الضغط على المواطن السوري.
• ضعف توريد السلع والمنتجات ذات التقانة والمحتوى التكنولوجي العالي، ما يؤدي إلى وجود صناعات رديئة نوعاً ما، أو استيراد تقانات متوسطة أو رديئة تنعكس في النهاية على جودة البضائع المتوافرة وبأسعار مرتفعة، وإحباط أي محاولات لتطوير وتمكين الصناعة المحلية.
• ضعف وصعوبة تحويلات العاملين السوريين في الخارج، بسبب عدم القدرة على التحويل النظامي، ما يتيح الفرصة لابتزازهم باتباع طرق غير مشروعة للتحويل وتكبيدهم تكاليف إضافية.

print