صادف وجودي في إحدى المؤسسات العامة بينما حركة العاملين كخلية نحل بادئ ذي بدء يخيل لك أنها ناجمة عن العمل إلى أن تفاجأ أنها سعي وراء تقديم سلفة على الراتب..!، بينما أبو أحمد وراء مكتبه يفصل أجره الشهري ويجري كل أنواع العمليات الحسابية عليه بحيث يأتي على مقاس المناسبات القادمة والمتزامنة في آن معاً «العودة للمدارس- المونة-العيد- مازوت التدفئة» التي انهالت على رأسه دفعة واحدة في شهر آب اللهاب حيث عجزت كل تلك العمليات الحسابية وخاصة «القسمة» لراتبه عن تلك المناسبات وراح يحذف ويشطب من دون جدوى.
وفي المكتب الآخر صوت جلبة لاينتهي بين موظفات اختلفن على دور في جمعية مالية ومن هي الأحق بها هذا الشهر.. وبالتأكيد أغلبيتهن العظمى تحتاجها ما دمن من العاملات بأجور محدودة.
وأينما توجهت في المؤسسات والشركات العامة تواجهك هذه الحالة من ازدحام على صناديق التكافل الاجتماعي طلباً لإعانة مالية أو قرض من شأنه أن يسند «خابية» المناسبات القادمة ولا يمكنك حتى المفاضلة فيما بينها أيهما أولاً لتغطيتها مالياً وقد تستغني مرغماً عن المونة أو حتى متطلبات العيد لكنك أبداً ستواجه حاجات الأولاد المدرسية من البابوج وحتى الطربوش، كما يقولون، وهي قد تضاعفت أسعارها هذا العام بشكل يفوق طاقة أسرة نموذجية فكيف بمن كان لديها أكثر من خمسة أولاد قد تؤجل أو تلغي حاجات العيد مع غصة في فم الأولاد لكنك من المستحيل أن تواجه شتاء قادماً ببرده غير المعتاد كشتاء العام الماضي..
لسنوات سبع من عمر الإرهاب على البلد والأسرة السورية تكابد هذه المعضلة وتعيش دوامة تلك الحاجات وكيفية تدبير عيشها بعد أن تضاعفت فاتورة الحياة أضعافاً مضاعفة.
بينما قضية الأجور والرواتب تراوح في المكان لابل تتآكل أمام تضخم العملة ومضاربات سعر الصرف وأمام تضخم كروش وعروش تجار الأزمة وأمام آليات رقابة ضعيفة وتدخل إيجابي محدود وغياب سياسة اقتصادية وخطط لطالما افتقدناها خلال أعوام الأزمة يمكن أن تؤسس لمستقبل أفضل واضح المعالم وبزمن محدد وفي غياب عمليات حسابية قادرة على أن تقسم وتوزع تلك الأجور المتدنية بما يلبي الحاجات الأساسية للمواطن الصابر المحتسب فارغ الفاه رافعاً يديه متضرعاً إلى الله أن يقيه شر تجار الأزمات ومفتعلي حرائقها التي لا تنطفئ وتخرجه من حالة الاستدانة وطلب القروض والسلف المالية.
وتزامن تلك المناسبات، المدارس والمونة والأعياد و بحسب التقويم سيستمر عشر سنوات أخرى وفي كل عام تواجه الأسرة هذه الحالة، ما يستدعي من كل الجهات المعنية على حد سواء اتخاذ الإجراءات الكفيلة وتشديد الرقابة على الأسواق لتخفيف وطأتها على المواطن وفرض أقصى العقوبات بحق جميع الحلقات الاقتصادية وحتى إصدار اللوائح السوداء بأسماء المتلاعبين منهم بلقمة عيش المواطن، وتوسيع نوافذ مبيع صالات ومؤسسات التدخل الإيجابي بحيث تصل إلى كل المناطق ولا تقتصر فقط على المدن بما يكسر حدة الأسعار وفجر التجار ويوفر سلعة منافسة جودة وسعراً، خاصة أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك صرحت بأن كسر الأسعار وأنوف التجار لا يمكن إلا بالاستيراد عبر مؤسساتها العامة كسياسة تدخلية في ظل عدم وجود أي نيات لزيادة الرواتب والأجور.

print