كتبت في زاويتي السابقة أستذكر الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، ومحاولته القدوم بَرَّاً من العراق إلى سورية كي يشارك في المهرجان الأول لأبي العلاء المعري في معرة النعمان.. وعند الحدود فوجئ ببطاقة حمراء ترفع في وجهه، وتمنعه من عبور الحدود.. لكن جندياً فرنسياً من قوات الاحتلال، وهو جزائري.. يدعى (زهير) تعرف إلى الشاعر.. وأعرب له عن إعجابه بشعره.. واستضافه، وأعطاه سريره لينام فيه.. بينما نام الجندي على الأريكة.
صباح اليوم التالي، أشار جندي الحدود إلى هاتف محرسه، وعرض على ضيفه الاتصال بمن يشاء في دمشق لعل وعسى يسمحون له بالعبور… واتصل أبو فرات بصديقه الشاعر عبد المطلب الأمين (1916- 1974).. وكان لعبد المطلب حينذاك مكانة في وزارة الخارجية السورية، ومقرباً من رئيس الوزراء جميل مردم بك، فوعده خيراً… وكانت يدا الجندي لا تفارقان جهاز الهاتف.. وحين ارتعش الجهاز، ارتعش معه قلب الشاعر..لكن الجندي كتم مضمون المخابرة.. وبقناع من التمثيل نقل إلى الجواهري رفض السلطات الفرنسية رفضاً قاطعاً دخوله إلى سورية!.. بينما قال الجواهري للجندي: «لقد كنت شهماً معي، وسأودعك بعد قليل، ذاكراً لك، وشاكراً ممتناً»..
رد الجندي بغتة، وبشيء من الاستفزاز المتعمد: «ولكني أجد يدك وقد مشت البرودة فيها»!.. وحين نفى الشاعر برودة يده بكثير من الكبرياء، قال الجندي: «لقد تلقيت قبل قليل الجواب بالسماح لك بدخول الشام».. وأما مخاتلة الجندي لأبي فرات فكانت عن ود وحب لشعره ومحاولة رفقته أطول فترة ممكنة…
وفي دمشق كاد الجواهري يعتذر عن المشاركة في المهرجان المقام بمناسبة الألفية الأولى لأبي العلاء المعري.. فهو لم يكتب بيتاً واحداً من القصيدة التي كان مفترضاً أن يلقيها.. غدره شيطان الشعر، وغاب عنه.. وكتب خلال ثلاث ليال متعاقبات قصيدتة (دالية) التي تنوف أبياتها على سبعين بيتاً.. وراح يقلّبها، ويتفحصها، فلا يجد المعري فيها.. ولهذا قطعها نتفاً متناثرة، بينما روحه تتمزق.. وشكا أمر قلقه إلى صديقه الشاعر عمر أبو ريشة.. معترفاً بأنه لم يكتب سوى بيت واحد فقط هو مطلع القصيدة:
«قفْ بالمعرّةِ وامسحْ خدّها الترِبا واستوحِ مَنْ طوَّقَ الدنيا بما وهبا»
ثم.. ولا بيت جديداً.. فيمضي به عمر أبو ريشة إلى وادي العرائش في لبنان، قائلاً له: «عسى أن تأتي السماء.. أو يأتي الإله.. أو شيطان شعرك أنت بالذات، ليوحي لك بشيء»..
وفي بلدة زحلة ستولد بقية القصيدة.. ويصفها الجواهري قائلاً: «كانت القصيدة قد تبوأت تاج قصائدي، وملكت شغاف قلبي، وضفاف مشاعري، وأصبحتْ المولود الذي انتظرته بفارغ الشوق والصبر واللهفة.. ومن حسن حظي أني استطعت أن أنهي القصيدة قبل افتتاح المهرجان بيوم واحد»..
ولأن القصيدة ممتعة ومدهشة بما حوته من أفكار جريئة في تلك الأيام (عام 1944) وهي جريئة حتى اليوم.. ومقاتلة حتى الساعة.. أدعو القرّاء إلى ينبوعها.. وأتهيب من اقتطاع أجزاء منها لأنها جوهرة جواهري.. أتعب الزمن.. وأقض مضاجع الاحتلال.. ولم يتعبه الزمن.. ولا الحدود.. ما أتعبه كان قلق الإبداع.. وما أصعبه…

print