لا يحظى شعر الزّجل بربع الحظوة التي ينالها كل فنّ أدبي، سواء من حيث الظّهور الإعلامي أو الحضور في السّاحة الثقافية، وهو لولا نشاطات فردية يقيمها شعراء الزّجل بين العام والآخر، يكاد يشبه المدن المنسية، كان آخر هذه النشاطات الأمسية التي أقامها كلّ من شّعراء الزّجل بسام ورور وماجد حمدان وغياث بدران في المركز الثقافي العربي بأبو رمانة برعاية المبادرة الوطنية «الوطن إلنا» التي تعنى بالشأن الثقافي وتعمل على ربط الثقافة الوطنية بأفكار متجددة، وتعتمد على تشكيل لجان عمل تتوزع المهام بينها، وسبق لها أن أطلقت لجنة المنهاج الثقافي والنقد الأدبي ولجنة الأدب الشّاب، واليوم تطلق لجنة الزجل التي يترأسها الشاعر بسام ورور، يقول: اللجنة حديثة، قامت بنشاطين وهذا الثالث، نهدف إلى تعريف الوسط بهذا الشعر وانتشاره قبل انتشار شعرائه، ونحرص على أن ندخله إلى المدينة لأنّ هناك جزءاً لا يعرفه.
وعلى خلاف ورور، يبين الشّاعر ماجد حمدان –عضو جديد في اللجنة- أهمية لجنة كهذه في إتاحة فرصة أمام شعراء الزجل للظهور في المراكز الثقافية، يضيف: يجب ألّا يبقى شاعر الزجل مغيباً، كما أنه لايجوز أن تبقى الكلمة القيمة محبوسة.
لكن، لماذا يبقى شاعر الزجل مغيباً وكلماته محبوسة مادام هناك جمعية خاصة به، يوضّح حمدان: نحن لنا جمعية شعراء، لكنها تقريباً شبه مغيبة وكان لها مركز في العدوي هدموه، وصارت شيئاً رمزياً وشخصية اعتبارية فقط، شعراء الزجل كثر لكن لا مكان يجمعهم ولا رابطة سوى هذه الرّابطة غير الموجودة.
كلام يؤكده بسام ورور، يقول: جمعية شعراء الزجل «على قدها» أنا أحد أعضائها لكن العمل فيها قليل.
شعراء زجل كبار أمثال فؤاد حيدر كان لهم الفضل في ظهور جيل شاب من الشعراء، لكنّهم ماتوا إعلامياً وثقافياً قبل أن يرحلوا عن الحياة، واليوم يحصل الشّيء ذاته، شعراء زجل مهمون ولهم حضورهم المميز في لبنان، لكنهم، في سورية، بالكاد معروفون إعلامياً، يقول ورور: شاركنا في برنامج ضخم في لبنان ونلنا ثلاثة دفوف ذهبية وأنا منهم.
شعر له جمهوره، لكن يغيب وقلّة تعرفه وقلّة تداريه وقلّة ترعاه، فهل التّقصير من شعرائه أم من الإعلام؟ سؤال يجيب عنه الشّاعر غياث بدران: الزّجل مظلوم في بلدنا، التّقصير ليس منّا، شاعر الزّجل يلبّي حين يطلب، هناك تقصير من الإعلام، يضيف بدران: قد يكون الوضع الحالي فرض علينا هذا، مع العلم أنّي أعد شعر الزّجل الشّعر الأوّل القادر على التّعبير عن هذا الوضع.
وبالسّؤال عن السّبب الذي يجعل من شعر الزجل الشعر الأكثر قدرة على التعبير عن هموم الناس وفق ما اجتمع عليه الشعراء الثلاثة، يجيب الشاعر ورور: شعر الزجل يستخدم اللغة المنطقية المحكية، وهو شعر وجداني ويخضع لبحور وأوزان.
شاعر الزجل الأقرب إلى الواقع وينقل الواقع للناس ويشاركهم همومهم وأفراحهم ويجسّد الصّورة الحقيقية التي نعيشها، يقول الشّاعر غياث بدران، ويضيف أن شاعر الزّجل يقرأ الشيء الذي لم يحدث بعد ويشخص الصورة قبل أن تحدث.
لكلّ شعر جمهوره وميزاته، للشعر الفصيح أنصاره المحدودون بالمثقفين والمهتمين، لكن الزّجل بشكل عام شعبي وله أنصاره، يمكن أن يصل للجميع، هناك شعراء زجل محترفون يصلون للعمق ويقدمون صوراً جميلة جداً، وللزّجل ميزة أخرى هو أنه مغنّى، أحياناً يطرب مع الكلمة المؤثرة.
ولأن شعر الزّجل من النّاس وإليهم، لا مكان للأنانية بين شعرائه على الرغم من بعض النشاطات الفردية التي تطفو بين الفينة والأخرى، يقول حمدان: الزجل صار نشاطاً فردياً لمن يحبّ أن يوصل كلمة للنّاس لا الذي يحبّ الأنا، لأن الأنا بعيدة عن شاعر الزجل ولا تخدمه، الموهبة وحدها تخدم شاعر الزجل لأنها تأتي من العشق، والعشق لا يأتي من فراغ، شاعر الزجل رسّام لأنّ القصيدة إذا افتقدت الصّورة تكون ميتة، يجب أن يكون فيها صور دوماً.
كلام الشّعراء عن زجلهم جاء مطابقاً لما قدّمه كلّ من الشّاعر بسام ورور والشاعر ماجد حمدان في جولتهم المنبرية، إذ حرصوا على تشكيل باقة من الزجل بكل ألوانه ومواضيعه وأفكاره المستقاة من الواقع، سواء أكان غزلاً أم هجاءً أم مديحاً أم رصداً للحال الذي نعيشه من ارتفاع أسعار، وأمن وأمان، بروح جميلة واحترام للحضور، تجلّى هذا في معرفة كيفية إدارة الجلسة والوقت، ساعة واحدة – تزيد خمس دقائق- فقط كانت كفيلة بإيصال الرّسالة والهدف والاستمتاع.

print