يقول الكاتب الأمريكي بيتير فان بورين الذي عمل في وزارة الخارجية الأمريكية وألّف رواية عن قصف الجيش الأمريكي اليابان بقنبلتين نوويتين حصدتا خلال دقائق أكثر من 150 ألفاً من المدنيين في آب 1945 في نهاية الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى 40 ألفاً من المدنيين الكوريين كانوا أسرى يقومون بأعمال السخرة في هيروشيما: إن كثيرين من المؤرخين العسكريين في الغرب يهتمون بمعارك نورمندي وغيرها ولا يجرؤون على الاهتمام بأكبر مذبحة للمدنيين نفذتها آلة الحرب الأمريكية التقليدية والذرية في اليابان.
بل إن الإدارات الأمريكية لم تقدم حتى هذا التاريخ أي اعتذار لليابانيين على هذه المذابح ضد المدنيين ولم يقم بزيارة هيروشيما التي ألقيت عليها القنبلة الذرية الأولى في السادس من آب أي سفير أمريكي في اليابان إلا في عام 2005 ولم يعتذر كما لم يعتذر الرئيس أوباما في أيار 2016 في أول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي لموقع الضحايا في هيروشيما، بل أعلن أمام الصحافة أنه لن يعتذر وصمتت كل الحكومات اليابانية أمام هذه الغطرسة الأمريكية الإجرامية مثلما صمتت حكومات كثيرة حتى الآن.
وعلى المنوال نفسه لا تزال آلة الحرب الأمريكية تقتل المدنيين خصوصاً بغاراتها الجوية وباستخدام الطائرات بلا طيار، وهذا ما تسبب منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بمقتل أكثر من مليون ونصف المليون من المدنيين العراقيين، وهذا أيضاً ما تقوم به الإدارة الأمريكية في سورية حين تقتل مئات إن لم يكن آلاف المدنيين من أطفال ونساء باسم «مكافحة» الإرهاب وهي التي تدعمه في قتل المدنيين أيضاً.
لكن السؤال الذي يفرضه منطق العدالة والقانون الدولي هو: هل يجب أن نصمت أمام هذه الجرائم الموصوفة والصارخة ضد شعوبنا؟
إذا كانت اليابان أو غيرها من الدول قد أجبرتها الإدارات الأمريكية على الخضوع للصمت فإننا في هذا العالم العربي لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالصمت تجاه هذه الجرائم ضد المدنيين ولذلك نجد أنفسنا مطالبين بتوثيق كل هذه الجرائم وبكل أعداد وأسماء الضحايا في العراق وسورية واليمن وتحويلها إلى عناوين عريضة في خطابنا الوطني والقومي على غرار ما نحمله في خطابنا عن المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية وحلفاؤها البريطانيون والفرنسيون في فلسطين مثل دير ياسين وكفر قاسم والطنطورة والمذابح التي تلتها في جنين وغزة والقدس في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، فلا أحد يشك في أن الولايات المتحدة تقوم بشن عدوان على سورية باسم «محاربة» الإرهاب وتسعى إلى تفتيت قدرات الجيش والشعب وتقسيم أراضيه وهو عدوان لا يقف عند قتل المدنيين من أطفال ونساء بل يتعدى ذلك إلى دعم آلة الإرهاب على الأراضي السورية والعراقية واليمنية لتغيير الأنظمة وتقسيم البلاد.. فالمعركة والصراع ضد الهيمنة الأمريكية في المنطقة لا تزال مستمرة في شكلها الراهن.. ومن المتوقع أن تستمر بأشكال مختلفة بعد الانتصارات التي تحققت في سورية والعراق واليمن ضد الإرهاب والأطراف التي تدعمه ولابد من أن نجمع كل ما يمكن من أسلحتنا التوثيقية التاريخية والإعلامية والسياسية لاستكمال الانتصار الميداني العسكري الذي قدم فيه جيش سورية وشعبها وقيادتها تضحيات كبيرة جديرة بالاعتزاز والتقدير.
وحين يسجل التاريخ أن سورية واجهت أكبر الحروب في تاريخها منذ عام 2011 حتى هذه اللحظة وتمكنت هي وحلفاؤها من إحباط مخططات وأهداف هذه الحرب فهذا يعني أنها واجهت أكبر آلة حرب في العالم وهي الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الغربية ودول المنطقة ومنعتهم من تحقيق أهدافهم، لكنها لن تصمت على الجرائم التي ارتكبتها كل هذه الأطراف ولن تساوم على حقوق كل ضحية تسبب بها القصف الوحشي الأمريكي للأطفال والنساء والمدنيين عموماً على الأرض السورية.

print