تُعدّ المجتمعات العربية على وجه العموم، انطلاقاً من المجتمعات العربية قبل الإسلام، من أقلّ مجتمعات العالم انقساماً على المستوى الأفقي الذي عُبّر عنه في الحياة السياسية المعاصرة بالانقسام الطبقي، من غير أن نذهب، أو يذهب أحد، إلى أنّ مجتمعاتنا، بما فيها مجتمعات ما قبل الإسلام، كانت مجتمعات نظيفة من التفاوت الاجتماعي، والظلم الفادح الذي يُنزله الأغنى، والأقوى، بالأفقر، والأضعف، فالتفاوت الاجتماعي وضع لم يخلُ منه أي مجتمع من مجتمعات البشر، حتى في مراحل الحياة البدائية الأولى، لكننا نستطيع الزعم بأن مجتمعاتنا كانت من المجتمعات النادرة التي يقلّ في سيرورتها فعلُ التفاوت الطبقي، إضافة إلى وجود أسس أخرى، غير طبقية بحت، قامت فوقها أشكال عدة من أشكال التفاوت الذي طرأ على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية العربية بفعل الأقوام غير العربية التي حكمتْ منطقتنا ومجتمعاتنا ما ينوف على ألف عام.
لا يتعلّق ما نبسطه الآن بإبراز محاسن مجد مزعوم، أو ما يقع في سياقه، وإنما نحاول مجرّد لفت النظر إلى كثرة استعمال تعبير (أبو فلان) في معظم حالات التخاطب المتبادلة في مجتمعاتنا (السورية على مقدار من التخصيص) وإذا تأمّلنا هذا الظاهرة بشيء من العمق فالمؤكّد أنّ إبراز وظيفة الأبوّة في تعبير (أبو فلان) ينطوي على عدد من الدلالات التي تتصدّرها الوظيفة المزدوجة للتعبير الذي يلغي المسافة الاجتماعية، أو المهنية الوظيفية بين المتخاطبين، ويبقيها قائمة في الآن ذاته.. من غير الشائع في حياتنا الاجتماعية استعمال تعبير (سيدّي، أو فخامتك، أو حضرتك… إلخ) أو سواها من الألقاب التي كانت سائدة في المرحلة العثمانية، ولذلك، يتكفّل تصدير الخطاب بلقب الـ (أبو) بإزالة مسافة اعتبارية بين المتخاطبين، هي مسافة خشيةٍ وحذر، أكثر مما هي مسافة احترام بالضرورة، برغم حضور الاحترام فيها بشكل طاغٍ، وتبقى المسافة الاعتبارية قائمة في الآن ذاته، خلافاً للحالة التي يجري فيها استعمال الاسم المفرد مجرّداً من زوائده، و(إكسسواراته) الزائفة، على غرار ما يحدث في حالات التخاطب بين الأنداد عموماً داخل نطاق الأسرة، أو الزمالة المهنية، أو الصداقة، أو سواها من مثل هذه النطق التي يُزال فيها التكلّف بشكل تلقائي، فعندما تخاطب شخصاً رفيع المقام بلقب الـ (أبو) فأنت تلزمه بإلغاء معظم الفجوة الاعتبارية التي يضعها سياق الحياة بين الإنسان والإنسان، من غير أن تلغيها إلغاء كاملاً.
من دلالات استعمال الـ (أبو) تذكير المخاطب بوظيفة الأبوّة التي تنظر إليها حياتنا الاجتماعية عموماً نظرة احترام، فتوكيد لقب الأبوة لدى المخاطب، حتى لو لم يكن أباً فعلياً بالمعنى البيولوجي، يعني حثّه على (وتذكيره بـ) النهوض بوظائف الأبوة قاطبة، من مشاعر، ورعاية، ومسؤولية تجاه الأبناء، وانصراف عن الرعونة والجهالة، مع الانتباه إلى أنّ وظيفتي الأبوّة والبنوّة وظيفتان ترافقان الإنسان حتى بعد الموت. بدليل أننا لا نزال نستعمل إلى اليوم في تدوين التاريخ تعبير (فلان بن فلان) أو (فلان أبو فلان).
لكن أبرز سلبيات استعمال هذا التعبير في سياق حياتنا الاجتماعية ماثل في أن الشخص صاحب لقب الـ (أبو) شخص يتخلّى طوعاً، أو قسراً، عن ذاته، وعن شخصيته الخاصة لمصلحة ابنه الذي يحتل مساحة حياة والده الذي تتقزّم وظيفته الإنسانية، وتُختزل في مجرّد قدرته على الإنجاب، الذي يعني فقط انخراطه البيولوجي في تسيير الحياة ضمن سياق الحفاظ على النوع، مثله في ذلك مثل بقية الكائنات الأخرى الحيوانية والنباتية. وربما كان الأنكى أنّ الشخص الـ (أبو) صار يُعرّف بغيره لا بنفسه، حتى لو كان (غيره) ابنه من لحمه ودمه.

print