مع نشوء منظمة الأمم المتحدة –عقب الحرب العالمية الثانية- عام 1945 وتثبيت ميثاقها الذي كان قطاف مباحثات مؤتمر «سان فرنسيسكو» ظهر المنع العام للجوء الدول الأعضاء للقوة بشكله المطلق وفقاً لأحكام المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.. التي تنص على:
«يمتنع أعضاء هيئة الأمم المتحدة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة».
كما أصبح حق الدفاع المشروع في ظل الميثاق، بوصفه استثناء من المنع العام للجوء للقوة في مادة مستقلة وهي المادة 51 من الميثاق التي جاء فيها:
«ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي.. والتدابير التي يتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى مجلس الأمن فوراً.. وللمجلس بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق، الحق في أن يتخذ –في أي وقت- مايرى ضرورة اتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي وإعادته إلى نصابه».
وعلى الرغم من إعلان الميثاق صراحة على المنع العام للجوء للقوة، من جهة، وعلى حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي من جهة أخرى.. فإن هذين النصين يشوبهما الغموض من جهة، ويتعرضان لتفسيرات متباينة من جهة أخرى.
وقد نصت لوائح المحاكم العسكرية الدولية «نورمبرغ-طوكيو» على المنع العام للجوء للقوة صراحة.. ولكنها أغفلت النص على حق الدفاع الشرعي صراحة.. ومن استقراء أحكام هذه المحاكم والمبادئ المستقاة منها.. نجد أنها تقر هذا الحق المعلن عنه صراحة في ميثاق الأمم المتحدة.
أما تعريف حق الدفاع الشرعي للدول.. فإنه الحق الذي يقرره القانون الدولي الجنائي، لدولة أو مجموعة دول باستخدام القوة لصد عدوان مسلح ضد سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، شرط أن يكون استخدام القوة هو الوسيلة الوحيدة لدرء ذلك العدوان ومتناسباً معه، ويتوقف حين يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
ومن استقراء نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.. وعلى ضوء تعريف حق الدفاع الشرعي.. نجد أن العدوان يشكل عنصراً جوهرياً لنشوء حق الدفاع الشرعي.. كما أننا نجد لتعريف العدوان أهمية كبيرة، حيث يتسنى لمجلس الأمن أن يحدد على ضوئه الدولة المعتدية.. والدولة الضحية المعتدى عليها..
وتجد الدول-في حال عدم وجود تعريف للعدوان- مناصاً للتمسك في «حق الدفاع الشرعي» على الرغم من أنها معتدية.. ومثال ذلك تذرع «إسرائيل» في جميع حروبها ضد العرب منذ عام 1948 و1956 و1967 «بحقها في الدفاع الشرعي»..
على الرغم من أنها في كل هذه الحالات كانت معتدية..
ومن هنا نلاحظ أن نجاح تحديد فكرة العدوان والدفاع الشرعي سيسهم في تطوير القانون الدولي الجنائي.. ونجاح المجتمع الدولي في حد ذاته..
كما أن نشوء المنظمات الدولية منذ القرن العشرين، يعد حدثاً دولياً مهماً، وقد ألقيت على تلك المنظمات الدولية مسؤوليات جسام، وعدت المسؤولة الرئيسة عن استتباب الأمن الدولي، كما أن تأدية دورها متوقف أساساً على الحالة التي يبدأ بها العدوان، وعلى تحديد المعتدي، والدولة التي تمارس حقها في الدفاع الشرعي.
ويجب أن نلحظ مدى صعوبة موضوع الدفاع الشرعي، مع تطور الأسلحة النووية، حيث نجد أمام انطلاق هذه الأسلحة من مسافات كبيرة، وجسامة قوتها التدميرية، وآثارها التي لا تحمد عقباها صعوبة كبيرة في تحديد الدولة المعتدية والدولة الضحية.
ونخلص مما سبق إلى أن نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة يحيطه الغموض، وتفسره بعض الدول تبعاً لأهوائها وتحقيقاً لمصالحها وأطماعها، ولما لهذا الحق من أهمية بالغة في القانون الدولي الجنائي، ووجود جدل فقهي وقانوني حول ماهيته وشروطه، تطرقنا لهذا الموضوع لنشرحه ونضع التفسير الصحيح له وفقاً لأحكام المادة 51 ونستخلص طبعاً شروط حق الدفاع الشرعي التي نراها تتمشى وهدف واضعي الميثاق من جهة.. ومع مقتضيات القانون الدولي الجنائي من جهة أخرى.. وتحقيقاً لذلك رأينا أن التفسير الضيق لأحكام المادة 51 من الميثاق الذي يترتب عليه أثر قانوني منشئ لهذه المادة.. التي لا ينشأ حق الدفاع الشرعي طبقاً لها، إلا إذا وقع هجوم مسلح فعلي على الدولة الضحية المعتدى عليها، ومن ثم نخضع هذا الحق لرقابة لاحقة من قبل مجلس الأمن، ليتحقق من توافر شروطه، وبذلك نكون قد جعلنا هذا الحق بمنأى عن استخدامه من قبل الدول التي ترى فيه تحقيقاً لمصالحها وأطماعها، وتنفيذاً لسياستها ومصلحتها، بينما هو في الوقت نفسه في متناول يد الدولة المعتدى عليها فعلاً.. التي ترى فيه ملاذاً للدفاع عن نفسها، في الحالة التي لا تستطيع أجهزة الأمم المتحدة أن تقدم لها المساعدة، ويتوقف فعلها الدفاعي هذا عندما يتمكن مجلس الأمن من التدخل، واتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
الجهود الدولية في نطاق الأمم المتحدة لتعريف العدوان:
لقد اهتمت الأمم المتحدة بتعريف العدوان منذ حرب كوريا عام 1950 حيث تقدم الاتحاد السوفييتي آنذاك بمشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يتضمن تعريفاً للعدوان، وقد أحالت الجمعية العامة بقرارها الصادر في تاريخ 17/10/1950 الاقتراح السوفييتي إلى لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة لدراسته، وقد تضمن هذا المشروع تعداداً لأنواع العدوان:
أولاً- العدوان المباشر:
تعد معتدية في نزاع دولي الدولة التي تبدأ بارتكاب أحد الأفعال الآتية:
1-إعلان الحرب على دولة أخرى.
2-غزو إقليم دولة أخرى بقواتها المسلحة، ولو من دون إعلان حرب.
3-قصفها بقواتها البرية أو البحرية أو الجوية إقليم دولة أخرى أو مهاجمتها سفناً حربية أو طائرات لتلك الدولة مع علمها بذلك.
4-دخولها بقواتها البرية أو البحرية أو الجوية أماكن تابعة لدولة أخرى من دون إذن حكومتها، أو انتهاك شروط ذلك الإذن.
5-حصار سفنها الحربية لشواطئ وموانئ دولة أخرى.
6-مساعدتها عصابات مسلحة مكونة على إقليمها.
ثانياً- العدوان غير المباشر:
ويقوم هذا العدوان بارتكاب أحد الأفعال الآتية:
1-تشجيع أنواع من النشاط الهدّام موجهة ضد دولة أخرى كأعمال الإرهاب.
2-التحريض على الحرب الأهلية.
3-التسهيل على انقلاب داخل دولة أخرى أو تقوم بتغيرات سياسية لمصلحتها.
ثالثاً- العدوان الاقتصادي:
ويكون بأحد الأفعال الآتية:
1-اتخاذ حصار اقتصادي يمس بسيادة الدولة وباستقلالها بما يعرض الحياة الاقتصادية للخطر.
2- اتخاذ تدابير بقصد منع الدولة من استغلال ثرواتها الطبيعية.
3-فرض حصار اقتصادي شامل.
رابعاً- العدوان الفكري:
يتضمن هذا العدوان الأفعال الآتية:
1-تشجيع الدعاية في مصلحة الحرب.
2-تشجيع الدعاية باستخدام الأسلحة الكيميائية وأسلحة التدمير الشامل.
3-تشجيع الدعاية الإعلامية لنشر الأفكار النازية والفكر العنصري والطائفي والكراهية بالنسبة للأمم الأخرى.

print