قد لا يدهش أحدنا إن تحدثت فتاة عمرها خمسة عشر عاماً عن رغبتها (وتفكيرها في الهجرة أو في عدم إكمال دراستها وانتظار فتى الأحلام المناسب واقتناء أحدث أنواع الجوالات) فهذا حال فتياتنا اليوم بعضهن نضجت عقولهن وكبرت أحلامهن، لكن في المقابل هناك أخريات أصبح تفكيرهن هشاً وسطحياً، تقول الاختصاصية النفسية سوسن حاج حسين: إن الفوضى التي حصلت بداية الحرب على سورية استغلت العقول الضعيفة وغيرت مفاهيم الحياة بالنسبة لهم.
إحدى المراهقات (سالي. ن) قالت: ما يهمني هو الاهتمام بشكلي، لتضيف (علا. س) السير مع شاب وسيم واقتناء أحدث جوال في يدي هو ما أفكر به فالناس (يهمها المظاهر هذه الأيام)، أما سارة 14 عاماً فأكثر ما يشغلها بعد أن أنهت مرحلة التعليم الأساسي هو السفر خارج البلاد.
في حين تبتعد أفكار كل من (حنان وعفراء وزينة) عن سابقاتهن فالإصرار على متابعة الدراسة هو كل أحلامهن، ليمتد حلم عفراء لتكون في صفوف الجيش العربي السوري.
كما أن جل اهتمام المراهقة (عفاف. خ) التي تهجرت من محافظتها هو مساعدة والدتها في تربية إخوتها الصغار ومتابعة تعليمهم وكذلك تعليمها في الجامعة.
فهموها خطأ
«أفكار وأحلام المراهقات تبدلت، فبعد ست سنوات من الحرب هناك صراعات داخلية جديدة أضحت تهدد استقرارهن» هذا ما قالته فاطمة مدلل اختصاصية تواصل اجتماعي ودعم نفسي للطلاب في جمعية موزاييك وجمعية رعاية الطفولة وأضافت: أصبحن يتصرفن كالبالغات، فهمن معنى الحرية بشكل خاطئ ودخل النت إلى عالمهن بسرعة، وأصبحت موضتهن تربية الكلاب والسير معها على الطرقات، كما أن معظم من خرج من المراهقات من مناطق الحرب لم يتأثرن بالحرب حيث أقنعن الأهل بضرورة اقتناء الجوال وتأمين كل متطلباتهن والانتقال إلى بيئة جديدة والتماشي مع التطور فيها.
تقول مدلل: التفكير اتجه إلى الكماليات، وأضافت: إن مجيء العديد منهن من البيئات المنغلقة إلى بيئات أكثر انفتاحاً أثر كثيراً في حياتهن، كما أن الوضع المادي المتردي أوصل بعض الفتيات للسرقة.
مسؤوليات فاقت مستوى نضجهن
أما المراهقات اللواتي يعشن أو عشن في مناطق الحرب، فتقول عنهن الاختصاصية النفسية سوسن حاج حسين: وقعت على عاتقهن مسؤوليات فاقت مستوى نضجهن الفكري والعاطفي والاجتماعي، وفرضت عليهن تأدية أدوار لا تتلاءم مع قدراتهن وطاقاتهن كرعاية وتربية الإخوة الصغار أو العمل المأجور، وأردفت: إن حياة الكثير من الطالبات تختلف اختلافاً كبيراً عن حياة الأهل فقد لوحظ أن الفتاة التي ترتدي أفضل الثياب و تقتني جوالاً حديثاً يعاني أهلها الفقر والحاجة وهذا سببه أن الفتيات للأسف أخذن من البيئة الجديدة عادات ومفاهيم غيرت نمط حياتهن بينما أهاليهن لا حول ولا قوة لهم غير تأمين متطلباتهن ليكنّ على قدر المساواة مع قريناتهن في المدرسة.
العقوبة الإيجابية
الجهد الذي بذل لتقويم سلوك وتفكير الفتيات كان كبيراً كما بينت الاختصاصية النفسية، فلقد عانينا كثيراً وتعبنا حتى قومنا تفكيرهن، واستطعنا إرشاد الأهالي ممن أتيحت لنا فرصة لقائهم، وقد لاحظنا تغيراً كبيراً عند الكثير من الطالبات وأهاليهن وأصبحت الصراحة والاعتراف بالخطأ سمة حياتهن، لكن لا يزال تفكير بعضهن هشاً و ما زلن يعشن في فوضى الموضة.
كما أن الجمعيات الاجتماعية والأهلية في المحافظة أدت دوراً في ذلك كما أكدت مدلل قائلة: أمنت لنا الجمعيات جميع السبل لنجتمع بأهالي الطلاب، فتحدثنا عن شخصية كل طفل وطفلة ومستوى بناتهن في التعليم وشددنا في حوارنا معهم على أن العقوبة لن تردع الطالب، ويمكن أن تخلق رد فعل عكسياً، ويجب أن تكون العقوبة إيجابية ومن دون كلام يسيء للفتاة.
حلول
ترى كل من الاختصاصية النفسية واختصاصية التواصل الاجتماعي أنه بعد الحوار مع الأهل لابد من أن تؤدي الأسرة دوراً مهماً في مساعدة المراهقات على تحمّل المسؤوليات من خلال تأمين بيئة سليمة للنمو تحافظ وتحترم حقوقهن في العيش الآمن وتوفير الظروف الملائمة لتحقيق الذات، وأكدتا على دور المدرسة المساند لهن في تطوير القدرات الذهنية والمفاهيم الضرورية للمواطنة والمشاركة الفعالة في المجتمع، وتطوير سلوكهن الاجتماعي الإيجابي للتكيّف والتعامل مع متطلبات الحياة العصرية.
وختمت مدلل: يجب أن يتاح للاختصاصيين عن طريق الجمعيات الدخول إلى الحارات الشعبية الفقيرة لإرشاد الأهالي والأبناء وتقويم تفكيرهم، والتأكيد على أهمية الحوار الأسري بين الوالدين والفتيات، لأن غياب الحوار يجعل الفتاة تبحث عن صداقات وعلاقات عبر شبكة الإنترنت وعن طريق الهاتف النقال.

print