بأرواح منكسرة جلس الأولاد الأربعة في زاوية الغرفة، يبكون ذكرى والدهم الذي ودعهم في مثل هذا اليوم على أمل لقاء لم يشأ القدر أن يكتب له موعداً جديداً، فعاد إليهم محمولاً على أكف زملائه، يلفه علم الوطن الغالي، يقول أكبرهم وهو في الصف التاسع: كنت أتحدث دائماً مع أبي عن العلامات التي سأحصّلها في الشهادة الإعدادية، أخبرته مرة عن حلمي الذي أتطلع للوصول إليه مستقبلاً، وبعد تنهيدة شقت عباب الروح استطرد أشرف: منذ أن رحل والدي رحلت معه أحلامي، وكبرت مسؤولياتي، أما أخته هيا الطالبة في الصف السابع التي حاولت خالتها جاهدة تهدئتها، فقد أنهت حفلة نحيبها بعبارة: راح سندي ومصدر قوتي في هذه الحياة.
أسرة الشهيد أبو أشرف السمان ليست حالة فردية أو استثنائية، ففي يوميات الحرب على سورية هناك الكثير من التفاصيل والحيثيات المؤلمة التي تقاسمتها العائلات والبيوت، وقد يكون فقدان الأب لأي سبب من الأسباب، أقساها الموت بالطبع، أحد أهم فصولها، لأنه وكما أشارت الدكتورة رشا شعبان إلى أنه يشكل الدعامة بالنسبة للبيت، فوجوده يعني الأمان والحنان والاستقرار والقوة لأفراد الأسرة بكل الأسس والمعايير.
سلوكيات جديدة
تقول والدة أشرف التي أضحت اليوم الأم والأب والمعيل للأسرة: منذ وفاة والدهم أشياء كثيرة تغيرت فيهم وسلوكيات جديدة بدأت تظهر عليهم، وهو ما أكدته الباحثة الاجتماعية سناء الصغبي، حينما أشارت إلى وجود صعوبات يمكن أن يعانيها الأطفال الذين فقدوا آباءهم على أكثر من صعيد، فعلى الصعيد الاجتماعي يسبب الفقد عدم قدرة الأطفال على تكوين صداقات أو روابط مع المحيط، أما على الصعيد النفسي فإن زيادة القلق النفسي والاضطراب العاطفي الذي يؤدي إلى حالات من الاكتئاب أو التمرد والعنف هو أكثر ما يلاحظ عليهم، وأضافت: لا تقتصر الأعراض على هذا الحد، فهناك سلوكيات قد يعتادها الطفل بعد فقدان والده لتفريغ شحناته السلبية كقضم الأظافر، التبول اللاإرادي، عدم التركيز، كثرة النسيان، والميل إلى العزلة، وهي أعراض تندرج تحت ما يسمى «الأعراض النفسية والجسدية»، وهذه الملاحظات في مجملها لا تتكئ على أحدث ما توصلت إليه الدراسات والأبحاث الاجتماعية فحسب، بل هي مشاهدات على أرض الواقع عاينتها عن كثب عندما كنت أتردد على أحد مراكز الإيواء في ريف دمشق.
ملاحظات توافقت مع رأي الدكتورة شعبان التي دخلت في التفاصيل أكثر أثناء حديثها عن فقدان الأب وتأثيره في كل من الجنسين، فالفتاة التي تفقد والدها نراها تميل دوماً للرجل الكبير في العمر عند التفكير في الارتباط وذلك لتعويض حنان وعطف الأب وصورته التي لم يبق من آثارها سوى ذكريات من جهة، ولأنها تشعر معه بالأمان من جهة ثانية، أما الذكور فحالة الفقد تولد لديهم ضعفاً لأن الأب بالنسبة لهم النموذج والقدوة ومن خلال مواقفه يرسمون ملامح مستقبلهم، ومن رجولته يستمدون القوة والحماية وهذه المواقف تظهر بشكل جلي عندما يتعرضون للإساءة خارج المنزل كالاعتداء عليهم بالضرب أو ما شابه ذلك.
هل يمكن للأم
تعويض الخسارة؟
وفيما إذا كان في مقدور الأم تعويض خسارة الأب فقد بينت شعبان أن استقرار الأسرة لا يتحقق إلا بوجود الطرفين معا الأب والأم، وفي حال غياب أحدهما فعلى الذي بقي أخذ الدورين معاً، فالأم في هذه الحالة تمكن لها ممارسة ذلك الدور، ولكن هذا لا يعني خلقاً للتوازن لأن هناك احتياجاً دوماً لوجود الأب في البيت وخاصة في مجتمعاتنا، فغياب الأب عن البيت لا يسبب الحزن والألم ومرارة الفراق فقط، فهو يؤدي إلى تعرض الأسرة لمشكلات مادية ومعنوية أيضاً.
وبالنسبة للحلول الممكنة التي يمكن السير باتجاهها في هذه القضية للتخفيف عن الأطفال خصوصاً والأسرة عموماً، لفتت شعبان إلى ضرورة تفعيل دور الإرشاد النفسي لأنه الأقدر على التعامل مع هذه المشكلات وردم الهوة النفسية ولاسيما لمن فقدوا آباءهم أمام أعينهم أو من هاجر منهم وأصبح صوتاً وصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا العمل يجب البدء فيه في المدارس وفي دور الرعاية الأسرية التي يجب الاهتمام بها والمراكز المتخصصة والجمعيات التي تهدف إلى مساعدة الأم والأسرة على تجاوز الكثير من المشكلات، أضف إلى ذلك أن على المؤسسات والجهات المعنية والمتخصصة التكاتف مع بعضها وتضافر جهودها لإنشاء شبكة تواصل بينها الهدف منها التشاركية في العمل لوضع معايير تتناسب مع الواقع الذي سببته الأزمة لتغييره من أجل الوصول بالمجتمع إلى بر الأمان، و بناء منظومة إنسانية تعنى ببناء الإنسان نفسياً واجتماعياً.

print