القوانين ضوابط.. والعقوبات روادع، أو هكذا يجب أن تكون، باستثناء المادة 508 من القانون 489 التي توقف ملاحقة المغتصِب، إذا ما تم عقد زواج صحيح بينه وبين المعتدى عليها مدة لا تقل عن خمس سنوات، شرط ألاّ يتم طلاق المرأة خلال هذه المدة من دون سبب مشروع!
وتالياً، تسمح هذه المادة للمغتصب باغتصاب ضحيته مجدداً ومجدداً مدة خمس سنوات كحد أدنى.. وربما مدى الحياة! لكن أغلب حالات الزواج المذكور تنتهي بعد أسابيع أو أشهر برضا الطرفين، ويعود هذا المجرم حراً طليقاً، وقد يرتكب جريمته مرة أخرى وأخرى، مادامت العقوبة هي مكافأة من جنس الجريمة!
فلنتخيل أن هذه المغتصبة المصابة بالرعب من مجرد ذكر اسم مغتصبها أو رؤيته، ستراه يومياً، وستضطر إلى ممارسة ما أجبرها عليه وانتزعه منها بالإكراه «برضاها»، لأن القانون يمنحه هذا الحق! هل تخيل المُشرّعون هذا المشهد قبل سن هذه المادة؟ أم إن الأهم بالنسبة إليهم، هو ما يظنون وما قرروا أنه «سِتر»، بكسر السين.. والقلب والروح.
المجتمع لا يرحم
وعبر أحد المحامين، تواصلت (تشرين) مع إحدى السيدات اللواتي تعرضن للاغتصاب فروت لنا التالي: كنت أعمل في شركة خاصة، فطلب مني المدير أن أبقى لوقت متأخر بحجة تراكم عمل كثير علينا إنجازه، وبعد أن غادر كل الموظفين، بدأ بالتلميح لما يريد، فتصنعت عدم الفهم، فبدأ يقترب مني، وحين منعته، اعتذر وأكد أن ما جرى غلطة وطلب مني متابعة العمل وتركني وحدي.
بعد ذلك بقليل، أقفل باب الشركة وهاجمني، فصرخت لكن دون جدوى، فقام باغتصابي، وتركني مرمية على الأرض في حالة صدمة وذهول مما جرى، ثم عاد واغتصبني مرة أخرى، وارتدى ملابسه وقال لي: (روحي اشتكي) وخرج من الشركة وتركني وحدي.
تتابع: عدت للمنزل منهارة، ورويت لأهلي ما حصل فوراً، وشجعني على هذا معرفتي بأنهم لن يلقوا باللوم علي ولن يقتلوني كما يحدث مع كثير من المغتصبات.
في صباح اليوم التالي، تحدث معي والدي، وطلب مني أن أوافق على الزواج منه شكلياً فقط لمداراة ما حدث من دون مشكلات، وذهب إلى مقر عملي ليلتقي بمديري، لكن المجرم كان قد أبلغ الموظفين أنه مسافرٌ لفترة، فبحث حتى استدل على عنوان أهله، وذهبنا إليهم وروينا لهم ما حدث، وطلب منهم والدي أن يتقدموا لخطبتي ومن ثم الزواج شكلياً لمدة بسيطة، ورغم أنهم بدا عليهم أنهم قد صدقوا روايتي، لكنهم -وللدفاع عن ابنهم- اتهموني بالكذب وبمحاولة تلفيق تهمة الاغتصاب طمعاً بالزواج من ابنهم الشاب الثري.
قمنا باستشارة محام، فأوضح لنا أنه بالإمكان زجه في السجن مدة طويلة إن اشتكينا ورفضتُ الزواج منه، وفي حال رضي الطرفان بالزواج توقف ملاحقته شرط أن يتزوجني مدة لا تقل عن خمس سنوات.
وهنا طلب مني والدي إما أن أشتكي ونتزوج، أو أن نوكل أمرنا لله لينتقم منه. فكرت في الموضوع، فلم أستطع أبداً تقبل فكرة الزواج من ذاك المجرم، وتمنيت أن أراه مسجوناً، وأن أرى أهله أذلاء، لكنني كرمى والدي الذي لم يلمني، ووقف معي وواساني، وكلت أمري لله ورفعت شكواي له.
وختمت بالقول: نظرة المجتمع للمغتصبة هي التي ضيّعت حقي وأطلقت هذا المجرم، أحياناً أشعر أنني مذنبة لأنني تركت هذا المجرم بلا عقاب، وهذا قد يشجعه على ارتكاب جريمته مجدداً، لكنني ورغم كل الألم، لن أرضى أن يمشي والدي أو والدتي أو أحد إخوتي مكسورين بين الناس بسببي.
القانون.. توقف الملاحقة في حال الزواج
ولمعرفة تفاصيل القانون ومواده، وموقفه من الاغتصاب، التقت (تشرين) رئيس محكمة الجنايات الأولى في دمشق المستشار حسام العلوش، الذي قال: إن المشرع السوري وضع باباً للجوانب المخلة بالأخلاق العامة، وخصص فصلاً للاعتداء على العرض يتناول فيه المشرع الاغتصاب والفحشاء والخطف، وتكون الحالة الرابعة الإغواء والتهتك وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء، معرفاً الاغتصاب بأنه الاعتداء الجنسي الواقع من رجل على امرأة عن طريق الجماع، أما الفحشاء فهي فعل منافٍ للحشمة يطول المعتدى عليه في شرفه وعرضه رغماً عنه بالإكراه والقوة.
وأشار علوش إلى أن المادتين 489– 492 عالجتا حالات الاغتصاب التي إما أن تقع من شخص بالغ على فتاة أو امرأة، أو من شخص بالغ على فتاة قاصر، ولا يكون الاغتصاب إلا من ذكر على أنثى، ويكون المعتدى عليها بالغاً أو قاصراً، وأحيانا يكون الاعتداء على فتاة تعاني نقصاً جسدياً أو نفسياً، كحالة الجنون أو المرض النفسي، حيث يستغل الغاصب هذه الناحية ويقوم بالاعتداء على الضحية.
وأوضح علوش أن مدة عقوبة المغتصب تتفاوت تبعاً لسن المعتدى عليها، والتي يلعب فيها النقص الجسدي والنفسي للضحية أو المعتدى عليها دوراً في تحديد مقدارها، والعقوبات في قضايا الاغتصاب تتدرج حتى تصل في أقصاها حد الإعدام تبعاً لظروف كل قضية كما هي الحال في المادة 489 المعدلة بالقانون 11 لعام 2013.
وتابع علوش أن المادة 508 من قانون العقوبات تنص على أنه إذا عُقد زواج صحيح بين المعتدي والمعتدى عليها، يستفيد مرتكب الفعل من العذر المخفف، أي تخفيض مدة العقوبة، وأن عقد الزواج يتم بإرادة وقبول شرعييَن من الطرفين وفق القواعد والأصول التي نص عليها قانون الأحوال الشخصية، أي إن الضحية أو المعتدى عليها لا تجبر أو تلزم بإجراء الزواج من الشخص الذي قام بالاعتداء عليها.
وعن إعفاء المعتدي من العقوبة في حال الزواج من الضحية، بيّن علوش أن الفقرة الأولى والثانية من المادة 508 عقوبات عامة عالجت هذا الأمر، فرغم إبرام عقد الزواج بين الطرفين، تفرض العقوبة على المعتدي وهي الحبس بما لا يقل عن سنتين، لكن هذه العقوبة تمر في حالتين، الحالة الأولى عندما تكون الدعوى لا تزال في مراحلها الأولى ويكون المعتدي موقوفاً ويتم عقد الزواج، توقف إجراءات الدعوى، وتوقف الملاحقة أمام قاضي التحقيق، أما الحالة الثانية وهي عندما تكون الدعوى منتهية ويصدر الحكم بحقه ويتم عقد الزواج، وليس للحق العام أي دور في هذه الحالة، باعتبار أن وقف ملاحقة المعتدي يتم بحكم القانون نظراً لإبرام عقد الزواج بين الضحية والمعتدي.
وهنا لابد من مرور خمس سنوات على هذا العقد فإذا تم طلاق المرأة من دون سبب مشروع قبل انقضاء الخمس سنوات، تعاد الملاحقة القانونية وتستأنف الدعوى من النقطة التي وصلت إليها، وأغلبية الناس يجهلون ناحية أنه تعاد ملاحقته من جديد باعتبار الزواج الذي حصل كأنه لم يكن، عازياً عدم وصول تلك الحالات إلى المحاكم إلى لجوء أهل الضحية إلى التستر وتفضيل عدم الفضيحة أو الإشهار حفاظاً على سمعتها بين الناس.
وكان لرئيس محكمة الجنايات الأولى في دمشق رأيه الشخصي، حيث قال: إن عدم زواج المعتدي من الضحية قد يؤدي إلى انزلاق الضحية في متاهات أخرى، إذ تقوم بعض العصابات التي تقوم بالاتجار بالبشر وممارسة الدعارة باستغلالها، أو ربما تسلك الضحية طريقاً غير شرعي وغير أخلاقي، فقد أفرزت الأزمة مشكلات خطيرة، لا ترمم ولا تصحح ولا تعاد معالجتها إلا بمرور عشرات السنوات، والأرقام كبيرة ومذهلة، بينما كانت هذه الحالات عابرة سابقاً، ولكن الفوضى التي مر فيها المجتمع بسبب الأزمة، خلقت سلوكيات غير سوية، فقد نجد فتاة قد (تبيع شرفها) من أجل القوت اليومي.
وختم علوش بالتأكيد أن القانون كفل حق الضحية المعتدى عليها بجميع الوسائل المتاحة من أجل إزالة الألم والستر عليها، وهو بذلك لا يتنافى مع الناحية الشرعية والدينية التي تقول: إن فعل الاعتداء قد يغفر في حال جبر خاطر الضحية وتزوجها.
شرطة اجتماعية
حنان ديابي الأستاذة في قسم علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة دمشق أشارت في بداية حديثها إلى أننا مجتمعات محكومة بالأعراف والقوانين معاً، ولأننا دولة تسعى لأن تصبح مدنية بالمفهوم الفعلي للكلمة، فيجب على القانون أن ينصف الأفراد عندما يكون العرف مجحفاً بحقهم، غير أن هذا لم يتحقق بسبب القوانين التي تخفف عقوبة الجاني إذا تزوج من الضحية التي اغتصبها، وأكدت ضرورة الوقوف في وجه البيئة الاجتماعية التي تدفع الضحية للقبول بهذه الجريمة الثانية، التي ستزيد من العنف الأسري وتحول دون أن تحصل الزوجة على أدنى حقوقها، معتبرة أنه في المجتمعات الذكورية ستكون (الزوجة الضحية) منبوذة اجتماعياً من محيطها القريب وينظر إليها على أنها ارتكبت خطيئة ما حتى وصلت إلى ما هي عليه، ومنبوذة حتى من المحيط البعيد الذي ينظر إليها على أنها زوجة مجرم، وهنا يأتي دور أقارب الدرجة الأولى (الأب، الأم، الإخوة) الذين يجب أن يقدموا الدعم النفسي للضحية حتى تتمكن من مواجهة المجتمع، إضافة إلى ضرورة وجود شرطة اجتماعية في بلدنا تحمي الأفراد من التعنيف ولاسيما النساء والأطفال والأحداث من خلال التوجيه والتوعية القانونية وكيفية المطالبة بالحقوق عند الوقوع في مشكلة اجتماعية ما.
زواج ذو حدين
غالية سقباني (اختصاصية علم نفس) أوضحت في البداية أن الاغتصاب من أكثر الأشياء المؤلمة التي يمكن أن تتعرض لها الأنثى، وغالباً ما تترك آثاراً نفسية يكون من الصعب جداً تخطيها، وفيما يخص موضوع زواج المغتصب من المغتصبة، أشارت إلى أنه من الأمور الشائكة جداً؛ لأن جمع الجاني والضحية في مكان واحد وضمن علاقة أسرية -يفترض أساساً أن تكون قائمة على القبول والاحترام والحماية– لن تأخذ الشكل الطبيعي، لكون الفتاة أجبرت على الوجود في هذا المكان لأسباب تتعلق بالمجتمع والوصمة التي يمكن أن يطلقها عليها محيطها، وعدّها شريكة في الخطيئة وليست ضحية، وتالياً لهذا الزواج آثار سلبية كبيرة على الزوجة بشكل خاص، ولاسيما مع شعورها بالظلم الدائم لكونها أجبرت على هذا الزواج، ما ينعكس سلباً على أطفالها من خلال علاقة قائمة على القلق والقهر وعدم الأمان.
وأضافت: من جانب آخر، غالباً لن تتمكن الزوجة (الضحية) من إقامة علاقة طبيعية مع شريكها (الجاني)، لكونها اختبرت العلاقة أول مرة بطريقة عنيفة، وفي حالات – قد تكون نادرة – تبحث عن تلبية لهذه المشاعر خارج مؤسسة الزواج.
وترى سقباني أن الفائدة لمثل هذا الزواج أنه يمحو وصمة العار عن الفتاة وأهلها في بيئتها المحيطة، ويخفف الآثار السلبية التي قد تترتب على هذه الحادثة، كعدم قبول الضحية زوجة من أفراد المجتمع، وعدم قدرتها على تكوين عائلة، إضافة إلى أنه في حال حدث حمل نتيجة الاغتصاب فإن هذا الزواج سيحمي حقوق الطفل، من نسب ووجود شرعي في المجتمع، بعيداً عن الألقاب والأحكام المسبقة والضغوط النفسية.
وتابعت: هذا الزواج، في حال تم، لن يستمر طويلاً، ومع ذلك هو سيف ذو حدين لأنه سوف يسمح للمغتصب بالفرار من العقاب، ما يعني زيادة حالات الاغتصاب، إضافةً إلى ولادة أسر ضعيفة اجتماعياً قائمة على الظلم والقهر وعدم الأمان والثقة، وولادة ضحايا جدد هم أطفال تلك الأسر المفككة.
تنظيم الأسرة.. خدمات ورعاية
جمعية تنظيم الأسرة السورية، من الجهات التي تقدم الرعاية لعدة فئات من ضمنها المغتصبات، وللتعرف على تفاصيل هذه الرعاية، التقت (تشرين) مسؤول المشروعات في الجمعية أنس حبيب الذي أوضح أن الجمعية، ومن خلال 150 عيادة طبية وفرقة جوالة ونقطة طبية على مستوى سورية تقدم ثلاثة مستويات من الخدمات الطبية، ومنها الطبابة النسائية والاستجابة لحالات الاعتداء والاغتصاب وتقديم الدعم الطبي اللازم، إضافة إلى الدعم النفسي والاستشارات القانونية.
وقال حبيب: يتم التعرف إلى المغتصبة من خلال العلامات التي يبينها الفحص الطبي الذي يتم عبر أطباء النسائية، والعنف الجنسي يدخل في إطار العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وفي حال اكتشاف حالة اعتداء، يتم تقديم الدعم النفسي للمراجِعة، ومن ثم تحويلها للمرشدة القانونية التي تقدم لها المشورة القانونية عن وضعها والخيارات التي أمامها مثل تقديم شكوى أو كتابة ضبط، مشورة فقط وليس إجبارها على اتخاذ أي قرار، ونتعامل مع المعلومات المتوافرة لدينا بمنتهى السرية والكتمان.
وأضاف: بعد أن يُخصص للمراجعة بطاقة، يُطلب منها مراجعة الجمعية دوماً، وخاصة من أجل الدعم النفسي الذي يستمر فترة طويلة، كما تقدم الجمعية من خلال منافذ أخرى لتمكين المرأة ما يعرف بالمساحات الآمنة التي تتيح للمراجعات إمكانية تعلم مهنة، وترك مهمة البحث عن عمل للجمعية، والغاية من تمكين المراجعة تخفيف العنف عنها أو منعه في حال كان العنف ناتجاً عن التبعية الاقتصادية، والبطاقة مفتوحة ومرحب بالمراجعة متى شاءت.
10 دقائق درامية فقط
الدراما السورية لم تتناول جريمة ما بعد الاغتصاب –إن صح التعبير– إلا بشكل بسيط جداً، نسبة إلى قدرة الأعمال الدرامية (السينمائية والتلفزيونية والإذاعية) على تسليط الضوء على جميع المشكلات التي يعانيها المجتمع، وكان ذلك من خلال حلقات معدودة ومختصرة ضمن عمل أو اثنين من مسلسلات الحلقات المنفصلة، إضافة إلى فيلم قصير مدته 10 دقائق، أُنتج عام 2016، إخراج سيف الشيخ نجيب، حمل اسم «مع وقف التنفيذ»، ونقل معاناة إحدى الفتيات التي قبلت بالتستر على ما يسميه المجتمع «فضيحة» بالزواج من مغتصبها، فأصبحت تغتصب كل ليلة، فيتكرر مشهد الجريمة التي وقعت ضحيتها، بينما لم تقبل أخرى بالزواج من المجرم الذي أقدم على اغتصابها، لكنها لم تجرؤ على فضح أمره، فأصبح السرّ يحرقها كل ليلة. وحمل الفيلم في نهايته، الذي أنتج بالتعاون مع معهد جنيف لحقوق الإنسان، رسالة تقول إنه في البلدان العربية معظم حالات الاغتصاب المصرح عنها تنتهي بزواج الجاني من ضحيته، لأن معظم القوانين جعلت من الزواج عذراً يوقف تنفيذ معظم العقوبة أو كلها وينجو المجرم بفعلته وتهدر كرامة الضحية.
إلغاء المادة لا تعديلها
كذلك تواصلت (تشرين) مع مرصد نساء سورية، وسألت مديره بسام القاضي عن رأي المرصد، وما قدمه لهذه الفئة، فقال إن القانون السوري يمنح المعتدي الذي يغتصب امرأة بالقوة والعنف أو بالخداع أو بكلاهما، ثم يوافق على «الزواج» بها مدة معينة، عدة مكافآت معاً!
وأضاف القاضي أن هذه المادة القانونية معيبة بحق الإنسان، كل إنسان، وبحق كل عاقل، وكل شريف، وكل من يصر على ألا ينحط إلى مستوى دعم المجرمين وإلباسهم ثوب «الشرف» الزائف!
وأوضح القاضي أن (مرصد نساء سورية) قدم الكثير من العمل الإعلامي والتوعوي عن هذه المادة وضرورة إلغائها لينال المجرم الذي يغتصب النساء عقوبته الملائمة من دون أي عذر تخفيفي أو مكافأة، كما دعم العديد من النساء اللواتي تعرضن لمثل هذا الاعتداء حتى 2011، تاريخ انتقال سورية إلى ساحة الحرب التي فرضت علينا.
وبيّن القاضي أنه من خلال العمل الميداني، تبين بشكل واضح أن النساء الضحايا لا يقلن نعم لمثل هذا «الزواج» إلا قهراً، إذ لا يكون أمامهن خيار: القانون ضدهن ومع المجرم، الأسرة ضدهن ومع القانون لأجل وَهم «السترة»، ولا يوجد مؤسسات ولا منظمات ولا ملاجئ تدافع عن النساء الضحايا.
وختم قائلاً: القانون لا يحتاج تعديلاً، بل يحتاج إلغاء هذه المادة جملة وتفصيلاً، وحرمان مرتكب جريمة الاغتصاب من أي «تبرير» يسمح له حتى بعقوبة مخففة، ويجب تشديد العقوبة في جميع الحالات التي تربط فيها المجرم صلة قرابة أو علاقة اجتماعية قوية بالضحية. فليس نادراً أن يكون المجرم هو أحد أفراد الأسرة الصغيرة أو الكبيرة.
عدم التنازل عن الحقوق
أميرة مالك (مديرة راديو سوريات) ترى أن مهمة العاملين في الشأن النسوي، تبدأ من رفع الوعي لدى النساء والمجتمع بشكل عام، بعدم الموافقة على هذا الزواج، والعمل على تجريم المغتصب ومتابعة تنفيذه للعقوبة التي نص عليها القانون، وهذا الموضوع يحتاج وقتاً كبيراً حتى يتحقق، وتضيف: في رأيي التغيير الكبير الذي حصل في المجتمع السوري نتيجة الحرب، وترافق بانفتاح مجتمعي وتمرد على العادات في بعض المفاصل المجتمعية، وزيادة قوة المرأة ودورها بشكل ملحوظ، سيكون عاملاً مساعداً على بناء الوعي الخاص بحماية المرأة ومنها عدم تقبل المغتصب كزوج، وأنه في الحروب يجب عدم التنازل عن الحقوق، بل على العكس، يجب أن يعلو الصوت في هذا المجال، ومواجهة مفرزات الحرب وما تبعها من زيادة في نسبة الجريمة والعنف.
كلمة لنا
تكررت في التحقيق كثيراً كلمة (المجتمع)، هذه الشماعة التي نعلق عليها كل ما لا نستطيع فعله، أو ما لا نرغب بفعله أحياناً، ناسين أو متناسين أننا نحن المجتمع، أو على الأقل قسم منه، وأن ما نلقنه لأبنائنا هو ما سيكون عليه المجتمع مستقبلاً، فإما أن يبقى ظالماً، أو يصير منصفاً.
أيتها الأمهات.. أنتن الصانعات الحقيقيات للمجتمع، فأعنّ أنفسكن وأعينونا على بناء مجتمعٍ صحيٍ سليم، لا نظلمكن فيه ولا تظلموننا.

print