في قرية يمكن وصفها بالنائية من ريف مدينة جبلة، وصل موظف التكليف الضريبي وفرض ضريبة على منار التي فتحت محلاً صغيراً للخياطة بعدما عجزت عن إيجاد فرصة عمل، وكان عليها أن تدفع نهاية كل عام نحو ثمانية آلاف ليرة ضريبة للمالية قبل أن تضطر إلى إغلاق محلها!
من حيث المنطق، قد يبدو الأمر طبيعياً أن يدفع الجميع ضريبة على نسبة من فائض أرباحهم، ولكن القصة أن كبار أصحاب رأس المال في هذا البلد والمتنفذين لا يدفعون حتى «الفراطة» من المستحقات المفروضة عليهم!
مشكلات السياسة الضريبية في سورية تبدأ من القانون الذي يعتمد على نظام ضريبة تسمى بالنوعية، إلى طريقة جباية لا يساويها في طريقة الابتزاز والفساد سوى القائمين على قضايا الجمارك والتخليص الجمركي، وإلى مكلف لا يعدم وسيلة للتهرب من الضرائب المستحقة عليه.
ولأن الدولة بحاجة إلى كل ليرة كما قال وزير المالية الدكتور مأمون حمدان لـ«تشرين» فقد اتبعت المالية طريقة في تحصيل الضرائب وصلت حد العمل كمحاسب خلف طاولات بعض المحلات المشهورة، للوقوف مباشرة على الأرباح الحقيقية لأصحاب بعض المحلات الذين اعتادوا أن يصرّحوا عن أرباح قد لا تتجاوز قيمتها بضعة ملايين، بينما في الواقع قد تقترب من المليار.
ما مشكلات السياسة الضريبية في سورية قبل الحرب وبعدها، ولماذا انخفضت الحصيلة الضريبية في الموازنة العامة للدولة من 37% عام 2010 إلى 12% فقط من موازنة عام 2017 كما يؤكد مدير المرصد العمالي في الاتحاد العام لنقابات العمال د. عقبه الرضا؟ وهل يعقل أن تكون الحصة الأكبر في التحصيل الضريبي من كتلة الرواتب والأجور المتآكلة أصلاً؟
في هذا التحقيق العديد من الرؤى الاقتصادية التي تجمع على ضرورة التعامل مع الضرائب على أنها مورد رئيس يحتاج سياسة مختلفة، وقوانين جديدة أبدى رئيس الحكومة في تصريحه لتشرين الجاهزية التامة لتعديل كل ما لم يعد يتوافق مع المطلوب لهذه المرحلة.

رئيس الحكومة لـ «تشرين»
في تصريح لـ «تشرين» على هامش ندوة عن السياسة الضريبية أكد السيد رئيس الحكومة المهندس عماد خميس الاستعداد التام لتعديل المشاريع المالية المطلوب تعديلها وتطويرها بالسرعة المطلوبة، وذلك بقصد تطوير آلية العمل بالنظام الضريبي، وأكد أن هناك لجنة مشكلة في وزارة المالية مهمتها إعداد التشريعات وتطوير الهيكلية والبنية الإدارية إضافة للأتمتة والمعلوماتية، مضيفاً أن الأهم هو تطوير البنية البشرية للعمل بفعالية وعدالة أكثر.
كما أكد رئيس الحكومة أن المطلوب تحقيق التنمية والعدالة بعيداً عن كل ملابسات الخلل الاقتصادي والفساد، وهذا هو هدف الحكومة، فهم يعملون بشكل مشترك ودائم بهدف أن تكون السياسة الضريبية جزءاً كبيراً من العملية التنموية وتحقق الرافعة الاقتصادية التي هي ضمن خطة الحكومة، ومكافحة التهرب الضريبي بكل عناوينه، وتأمين إيرادات حقيقية تساهم في جزء من عملية التنمية.

لسنا الوحيدين
يصف خازن غرفة دمشق محمد الحلاق السياسة الضريبية بأنها ضبابية وغير واضحة ولا تقوم على معايير صحيحة، فالدولة تحدد ضريبة معينة على نشاط ما وتحصّل هذه النسبة من دون الاهتمام بالتفاصيل كالثبوتيات وآلية التحصيل، ويرى أن السياسة الضريبية تؤدي لإضعاف قطاع الأعمال الذي هو مرهق أساساً بعد أن خسر كثيراً من السيولة النقدية، ويعاني نقصاً في الكتلة النقدية والقوة الشرائية في السوق، وهذا أدى لإضعاف الربحية، ويعتقد أن إرهاقه بالضرائب والجباية أكثر يعني أنه يدفع إلى خيار وحيد هو الإغلاق.
وعد أن لأي حالة نهوض أثماناً باهظة سيدفعها إما الدولة وإما قطاع الأعمال، وأن الدولة في إمكانها تحمل الخسائر الموجعة، أما قطاع الأعمال فلا يستطيع، ويشبه الموضوع بذبح الدجاجة لامتلاك آلية الإنتاج، لكن تكون النتيجة أن تموت الدجاجة من دون الحصول على هذه الآلية.
وعن أسباب تذمر أصحاب الفعاليات الاقتصادية في القطاع الخاص من التزاماتهم الضريبية قال الحلاق: إن هذا الأمر ظاهرة عامة لا تقتصر فقط على أصحاب الفعاليات، ودليله على ذلك أنه لا يوجد أي شخص في سورية من أصحاب المهن الإضافية يعلن عن دخله ويقتنع بأن هذا نصيب وزارة المالية مما يحصله من عمله الخاص.
ولا ليرة!
في حين يرى رئيس اتحاد غرف الصناعة وعضو مجلس الشعب فارس الشهابي أن هناك خللاً في موضوع التحصيل الضريبي من الطرفين، وهناك خلل في الثقافة الضريبية، ويدلل على ذلك بقانون الاستثمار رقم 10 لعام 1992 الذي أعطى إعفاءات بشكل مبالغ فيه، واستغله البعض من جهة ثانية بشكل سيئ، وكمثال على ذلك ذكر الشهابي كيف قام أحد المستثمرين على هذا القانون بالعمل أول خمس سنوات ينص القانون على إعفائها، ومن ثم غيّر اسم المنشأة ونقلها إلى اسم جديد بعد خمس سنوات أخرى وبعد نهاية العشر سنوات نقل مشروعه إلى مصر من دون أن يدفع ليرة واحدة ضرائب للدولة السورية، ومقابل حالة كهذه يتحدث الشهابي أيضاً عن صناعيين تم تكليفهم بأرقام تصل الملايين ومنشآتهم مدمرة أو ما زالت في يد المسلحين، وهذا لا يشجع على العمل ولاسيما لأصحاب منشآت قدرها بأكثر من 10 آلاف منشأة في ريف حلب الغربي، يسيطر عليها المسلحون. لكل هذا يطرح الشهابي مقولة تكثف المطلوب من السياسة الضريبية للمرحلة القادمة: «بالرعاية قبل الجباية»
لم تعد تفي
مشكلة السياسة الضريبية تكمن في جزء منها في التشريعات المتبعة قبل الأزمة التي لم تعد مناسبة للتطبيق وقت الحرب أو في المرحلة المقبلة كما يرى الاقتصادي د. أكرم الحوراني ويضيف أنه لا بد من إعادة نظر جدية في كل التشريعات ورسم سياسة مالية حديثة يكون جوهرها أدوات وسياسة ضريبية تعتمد على ما يسمى «الإيراد العام» أي الانتقال من الضريبة غير المباشرة إلى الضريبة على استخدام الدخل، وبشكل عادل، فالنظام الضريبي الحالي يعتمد على الضرائب النوعية، وهذا نوع متخلف استغنت عنه معظم دول العالم.
أضاف د. الحوراني أن هذا لن يتم خلال أيام، لكنه يحتاج وقتاً طويلاً وتهيئة للمجتمع واقتصاداً يطبق نظام الفوترة، لأنه من دون تنفيذه لا يمكن تطبيق نظام ضريبي عصري.

وكإجراءات سريعة في ظل الأزمة يدعو د. الحوراني لإعادة النظر في الإجراءات التنفيذية و التشريعات النافذة، حيث تكون أكثر شدة وأقل فساداً، ويصف قانون 25 الناظم للاستعلام الضريبي بالقانون المرن الذي يساعد على التهرب الضريبي بدل أن يكون كابحاً له، ويعتقد أن هناك جهوداً مضاعفة يجب أن تبذلها وزارة المالية لكي ترتقي لبيان الحكومة في مجلس الشعب كحكومة «ابتكار الحلول».
حمدان لـ «تشرين»
السيد وزير المالية د. مأمون حمدان يرى أن المشكلة في موضوع الثقافة الضريبية، وتغيير هذا يحتاج تضافر كل الجهود وليس وزارة المالية فقط، وإن كانت المالية هي من يقود هذه العملية.
وفيما إذا كان يوافق على وصف النظام الضريبي بالمشوه قال د. حمدان: إنه ليس مشوهاً، لكنه قائم على الضرائب النوعية منذ زمن طويل، والحل لإشكالاته بنظام الضريبة الموحدة على الإيرادات، ولكن إذا كانت الحكومة الحالية لم تحققه بعد فإن الحكومات السابقة لم تستطع تحقيقه أيضاً في حالات السلم، رغم أن كل حكومة كانت تضعه هدفاً وتقول إنها ستحقق الضريبة العامة على الإيراد. والآن في هذه الحرب، هذا النوع من الضرائب يحتاج أسساً كبيرة وفي مقدمتها الوعي والثقافة الضريبية، ولكن رغم وجود بعض الصعوبات «علينا أن نبدأ، وقد بدأنا» يضيف د. الحمدان ويجب أن تقتنع كل الجهات المكلفة بذلك.
وأكد السيد وزير المالية أنه تم تشكيل لجنــــــة واســــــــعة من الخبراء لدراسة كيفـيـــــة الوصــــول لنظام ضريبي متطـــور، بالتشارك مع كل أطراف العملية مــــــن صناعييـن وأصحاب الفكـــر في كليـــات الاقتصاد.
وعن رأيه في حالة الاستياء العامة لدى التجار والصناعيين عند تكليفهم ضريبياً، قال د. حمدان إن لبعضهم مسوّغات محقة من حيث إن منشآتهم مدمرة، وقروضهم متعثرة، ولكن في الحقيقة هذه القروض كانت متعثرة قبل الحرب، والسؤال لماذا لم تبادر الحكومات المتتابعة للتحصيل؟
وعن تقديراته لحجم التهرب الضريبي، أكد أنه من الصعب تقديم أرقام دقيقة ونحن في حالة حرب، فهناك منشآت مدمرة في القطاعين العام والخاص، وأن أي أرقام تقديرية يتم تداولها الآن لا يثقون بها كوزارة.
وكان الاقتصادي د. عدنان سليمان قد قدر حجم التهرب الضريبي في دراسة بعنوان: «مقاربة نظرية ونقدية للجانب الاقتصادي والاجتماعي للضرائب في سورية» بنحو 400 مليار ليرة، وأكد أن 70% منه لدى كبار المكلفين، وأن مساهمة القطاع الخاص تتجاوز 65% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه لا يسدد أكثر من نسبة 2% من الناتج الإجمالي، بينما يساهم القطاع العام بنسبة 30% من الناتج، وتصل نسبة ما يسدده إلى 4% من الناتج الإجمالي.
شخصيات نافذة
الاقتصادي د. رسلان خضور يؤكد أنه قدر حجم التهرب الضريبي في عام 1994 بنحو 100 مليار ليرة بناء على العبء الضريبي، وهو «حجم الإيرادات الضريبية منسوبة للناتج المحلي» ويقدر العبء الضريبي في سورية بنحو 13-15% فقط بينما يجب ألا يقل عن 25%، وتصل نسبته في الاقتصادات المشابهة لبلدنا إلى 20%، وفي أوروبا 35- 40%.
ويرى د. خضور أن هذه النسبة المتدنية تعود لأسباب عدة منها التهرب الضريبي والإعفاءات العشوائية من الضرائب، وقد ازداد التهرب الضريبي في زمن الحرب بسبب نمو ظاهرة اقتصاد الظل الذي لا يمكن تقدير حجمه، فهناك مئات المليارات التي تضل طريقها عن ميزانية الدولة بالتزامن مع توقف جزء كبير من موارد الدولة، هذا إلى جانب انتشار ظاهرة المحاسبين القانونيين الذين تعينهم الشركات للتعامل مع موضوع الضرائب والتهرب الضريبي.
وقد توعد وزير المالية بمعاقبة كل محاسب قانوني يختم دفاتر غير صحيحة، لأن الدولة في أمس الحاجة إلى كل ليرة، ولديها التزامات كبيرة تجاه مواطنيها، فالدولة ما زالت تدعم الكثير من المواد «كالكهرباء، والنفط، والطحين» على الرغم من الحرب الطويلة، وهذا أمر قل نظيره في كثير من دول العالم التي تعرضت لحرب كهذه.
وعن دور الشخصيات النافذة التي دخلت قطاع الأعمـــــال في انتشار ظاهرة التهرب الضريبي رأى د. خضور أن هناك شخصيات نافذة، أثرت سلباً وأنه يجب تطبيق القوانين على الجميع، فالضرائب من الموارد السيادية للدولة، والمتلاعبون بها يجب محاسبتهم بشدة.
ويرى أن من القضايا التي تؤدي دوراً كبيراً في سياسة التهرب الضريبي طريقة إنفاق أموال الضرائب، خاصة إذا وجد المكلف أن الأموال تهدر، وتتفاوت الفئات المستفيدة منها، وهذا يؤثر كثيراً في الرغبة في دفع الضريبة، فكلما اتصف الإنفاق بالشفافية والعدالة ساعد على نشر ثقافة ضريبية مختلفة، وعلاج ظاهرة التهرب الضريبي التي تعد جريمة ترتكب في وضح النهار.
كيف تنفق؟
الضريبة يجب أن تكون أداة مرنة في يد الحكومة كما يقول مدير المرصد العمالي للدراسات والبحوث في الاتحاد العام للعمال د. عقبه كامل الرضا، لأن هذا يساعدها على تشجيع صناعات أو قطاعات اقتصادية من خلال هذه الأداة، كتخفيض الضريبة على قطاع هنا أو منتج هناك تريد الحكومة تشجيعه والعكس صحيح، ولكن السياسة الضريبية في سورية لم تأخذ هذا الأمر وفق ما يجب أن يكون، فقانون ضريبة الدخل يحصّل الضريبة من منابع مختلفة، أي تطبيق «النظام الضريبي النوعي».
أضاف د. الرضا أن النظام الضريبي خلال فترة الأزمة لم يتم التعامل معه بما يتناسب مع وضع الأزمة وبقي على حاله، فهناك صناعات خرجت من الخدمة، ورجال أعمال نقلوا عملهم إلى دول أخرى، الأمر الذي أدى لقلة في عرض السلع في السوق المحلية، وتالياً زيادة الأسعار من دون تعديل في نسب الضريبة لتشجيع صناعات بديلة خلال فترة الأزمة.
أما الملاحظة الأخرى فتتعلق بالجهاز الضريبي ذاته، حيث نلاحظ وجود تراكمات ضريبية تؤدي لفقدان موارد مهمة للخزينة، ويبدو أن هذه التراكمات سببها إطار عمل إداري معين لم تتم إعادة النظر فيه خلال هذه الفترة، وتالياً نلاحظ انخفاض الحصيلة الضريبية، وهذا يعود لأسباب إضافية منها: الحرب وآثارها الاقتصادية، كتدمير المعامل، وكذلك العقوبات الاقتصادية، وعدم كفاءة الإدارة الضريبية في إقناع المواطن بعملية تسديد الضريبة، وهنا للعامل الأخلاقي الدور الأساس في هذه العملية.
من الرواتب
ويؤكد د. الرضا أن بيانات الموازنة العامة للدولة لعام 2010 تشير إلى أن نسبة ضريبة الرواتب والأجور إلى ضريبة الأرباح الحقيقية تعادل6%، أما هذه النسبة بموجب الأرقام التقديرية لموازنة 2017 فتعادل 44%، أي أن هناك زيادة في ضريبة الدخل ونقصاً في ضريبة الأرباح الحقيقية، وهذا يعني أن الدولة هي الحامل الاجتماعي الحقيقي لمواطنيها، لكونها استمرت في تسديد رواتب وأجور العاملين حتى في المناطق الساخنة.
وأضاف أن راتب بدء التعيين انخفض بما يعادل 5 أضعاف قياساً بالدولار منذ 2004 وحتى الآن، وهذا يعني أننا أمام تحد حقيقي، يتطلب إما زيادة الرواتب، وإما تخفيض الأسعار من خلال تحريك عجلة الاقتصاد. وأكد د. الرضا أن نسبة مساهمة ضريبة الرواتب والأجور من إجمالي الضرائب تصل 3,2% في موازنة 2010 وأصبحت في 2017 نحو 8,7%، في حين كانت ضريبة الأرباح الحقيقية تساهم بنسبة 51,9 من إجمالي الضرائب والرسوم عام2010 لكنها انخفضت في 2017 إلى19.5% فقط.
ويوجه د. الرضا رسالة إلى أصحاب الفعاليات الاقتصادية التي تسعى بشكل دائم للتهرب من الضرائب مفادها: أن من حقهم معرفة كيفية إنفاق هذه الأموال، ولكن أيضاً يجب أن يعلم الجميع أننا نحن من يبني سورية ويعمرها، ولن يفعل هذا القطري أو السعودي.
ويرى أن محاولات التهرب من الضريبة لا تقتصر على أصحاب الفعاليات في سورية بل هي ظاهرة في كل دول العالم، باستثناء الدول الاسكندنافية، حيث تكاد تنعدم هذه الظاهرة بسبب مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، وأن العداوة تاريخية بين وزارات المالية وأصحاب الأعمال، والسبب أن الكثير من المواطنين يرون أن الضريبة حصته، وهو الأولى بها لذا تستمر محاولات التهرب منها.
من دون محاباة!
وفي قراءتها لواقع السياسة الضريبية ترى الاقتصادية د. لمياء عاصي أن أول تأثيرات الأزمة الاقتصادية بدت بانكماش الناتج الإجمالي المحلي والانخفاض الكبير في الإيرادات العامة للدولة.
وحتى تتمكن الدولة من القيام بمهامها لابد من تحقيق تراكم الرأسمال الأولي اللازم لإطلاق المشاريع الضرورية للتنمية ولاسيما في البنى التحتية, ودفع الاستحقاقات التي عليها, لابد من إجراءات قوية وعميقة لزيادة كفاءة النظام الضريبي ورفع الواردات الضريبية والجمركية لكونها من أهم مصادر الدخل للخزينة، لذلك تم ربط السياسات الضريبية بالتنمية.
وترى د. عاصي أنه لرفع الإيرادات لابد من إجراءات: كإعادة النظر في التشريعات الضريبية بشكل عام والسعي إلى وضع نظام ضريبة موحد على الدخل بشكل يشمل كل أنواع النشاطات التي يقوم بها المكلف أو المؤسسات, ولابد من إعادة النظر في الضرائب التي تم إلغاؤها مثل ضريبة التركات ورسوم المغتربين, وتجارة العقارات وغيرها، وكذلك التوسع في تطبيق ضريبة المبيعات بدلاً من الإنفاق الاستهلاكي لأنها الطريقة الوحيدة لزيادة الموارد الحكومية, حيث إن متطلبات تطبيق ضريبة القيمة المضافة غير ممكنة حالياً، وعلى الرغم من أن ضريبة المبيعات ستسبب زيادة تكلفة السلع على المستهلكين، وقد يكون لها أثر تضخمي لكنها الطريقة الأمثل للحصول على موارد للخزينة العامة، وإعادة دراسة الرسوم الجمركية بشكل كامل لتكون مسايرة ومنسجمة مع سياسات الدولة لتحقيق التنمية، ولتحقيق العدالة الضريبية يجب أن يطبق القانون كما هو على كل المكلفين من دون محاباة أو تمييز.
عقوبات رادعة
وعن كيفية تطوير الإجراءات في المراحل الضريبية لنظام قوي كفؤ.. ويصعب اختراقه تؤكد د. عاصي أنه لابد من أتمتة النظام الضريبي بالكامل، وبشكل غير معتمد على العنصر البشري إلا بأضيق الحدود، واعتماد وقبول بيان الدخل السنوي لعموم المكلفين، وأن يكون هذا البيان شاملاً لكل أنواع الدخل للفرد، وضمن بيان موحد, ثم اختيار عينات عشوائية من قبل الكومبيوتر للتدقيق، وفرض عقوبات قوية لأي حالة تلاعب أو إخفاء للمعلومات ذات العلاقة بالوضع المالي أو الدخل المتحقق، والعودة إلى السنوات السابقة، كذلك توحيد فهرس المكلفين على مستوى سورية, فحالياً لكل محافظة قيودها، ومعلومات المكلفين عندها، وهذا أدى سابقاً إلى أن المستورد يقوم باستيراد شحنات بأسماء وهمية لأناس غير معروفين ليس لديهم أي ملاءة مالية.. ويتهرب من تسديد الضريبة، والمالية لا تستطيع ملاحقتهم. وهنا لابد من القول إن النظام الضريبي السوري صادر منذ 1949 وقد حدثت عليه تعديلات وعمليات تجميل، ولكن البنية الأساسية بقيت كما هي.
الأعلى فساداً
أضافت د. عاصي أن التهرب الضريبي إحدى أهم المشكلات التي يعانيها النظام الضريبي في سورية, وقبل الحرب، حسب تصريح لوزير المالية في عام 2005، قدرت مبالغ التهرب بنحو 200 مليار ليرة أي ما يعادل 4 مليارات دولار تقريباً, أما بعد الحرب في 2017, فقد بلغت التقديرات 400 مليار ليرة سورية أو ما يعادل 80 مليون دولار, وعلى الرغم من أن الأرقام تقديرية ولكنها تؤشر إلى أن نسبة التهرب عالية جداً حتى إن بعض التقديرات تقول إن مبالغ التهرب تصل أضعاف المبالغ المحصلة كواردات ضريبية.
وعن الأسباب الرئيسة للتهرب الضريبي تقول د. عاصي تأتي في مقدمتها الثغرات التشريعية في النظام الضريبي، لأنه مصمم على أساس ضرائب نوعية منفصلة تسمح للكثير من المكلفين بإخفاء المعلومات أو تغييرها أو التلاعب بها, أما ثانياً فهو عدم الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات وقواعد المعطيات والربط الحاسوبي لتبادل المعلومات بين المحافظات ووزارة المالية والجهات الأخرى مثل وزارة الاقتصاد والجمارك، وبدلاً من ذلك يتم إنجاز الأعمال بالمستندات وتبادل المعلومات الورقية، ولجان للتكليف والفرض الضريبي وهي عناصر بشرية يمكنها أن تؤدي دوراً مساعداً للمكلف في التهرب من الضريبة ولاسيما أن الفساد في الدوائر الضريبية يقوم بأدوار خطيرة, وليس سراً أن قطاع الضريبة متهم بأنه الأعلى فساداً بين قطاعات الدولة.
ولجعل السياسات الضريبية مساهمة في العملية التنموية تضيف د. عاصي لا بد من دعم الإنتاج المحلي وتشغيل اليد العاملة، لذلك يجب إعادة النظر في كل الإعفاءات وبرامج التحفيز الممنوحة للقطاع الخاص والمستثمرين ومنحها على أسس حماية الإنتاج الوطني بشكل متناسب مع القيمة المضافة بشكل محلي.
وتختم د. عاصي بالقول: إن التعديلات السطحية بالشكل الذي يتم طرحه ستكون محدودة الأثر وليست سوى رقعة أخرى في الثوب الضريبي المهترئ والمثقل بالرقع!

print