ت: طارق الحسنية
لأن الاحتفاء بعيد الجيش العربي السوري ليس ذكرى فقط، بل ذاكرة تختصر التاريخ النضالي لسورية منذ تأسيس جيشها وحتى الآن، هذا الجيش الذي يحق أن يقال فيه إنه الأسطورة التي تحطمت على صخرتها أعتى قوى الشر في العالم، أقامت صحيفة تشرين ندوة حوارية بمشاركة كل من العميد تركي حسن الباحث الخبير في الشؤون الاستراتيجية والدكتور نضال الصالح رئيس اتحاد الكتاب العرب وتيسير بدور أمين الشعبة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي.
تضمنت الندوة ثلاثة محاور أغناها المشاركون بمداخلات عن إنجازات الجيش العربي السوري في الحرب على الإرهاب، ودور المثقف العربي في مواجهة الفكر التكفيري في الحرب الكونية على سورية، ودور حزب البعث العربي الاشتراكي في مساندة الجيش العربي السوري والقوات الرديفة في معركتهم ضد الإرهاب، أشادوا خلالها بالبطولات والتضحيات الجسام لرجال الجيش العربي السوري العقائدي والقوات الرديفة في المعركة المستمرة لتحرير كامل تراب الوطن الغالي، مؤكدين دور الكلمة الذي لا يقل أهمية وقيمة عما ينهض به رجال الجيش العربي السوري الذين يدافعون عن عزة وسيادة وكرامة سورية وفي قلوبهم يحملون أمانة دماء الجرحى والشهداء الأبرار وعلى ألسنتهم يرددون قسمهم بكل فخر واعتزاز «وطن.. شرف .. إخلاص».
حروب لا متماثلة
«ما يجرى في سورية لا يمكن أن يندرج تحت مصطلح «أزمة» فجميع مراكز الدراسات وحتى المعادية منها، تقول إن هناك تدخلاً خارجياً فيما جرى في سورية، وأنه فعل خارجي على بناء داخلي، وتعد الحرب التي نعيشها اليوم حرباً من النوع الرابع، يطلق عليها «اسم الحروب اللا متماثلة» التي يكون فيها العدو غير واضح»، عبارات قصد من خلالها الباحث والخبير العسكري العميد تركي الحسن في مداخلته توضيح ماهية ونوعية الحرب في سورية، هذه الحرب التي تمتلك سمات متعددة: أولاً أن عدوك يقوم بقتالك من دون أن يستخدم جندياً واحداً، وتالياً ما يجري في سورية، غزو خارجي من دون أن تطأ جنوده أرضها، ثانياً أن هذه الحرب لا تكلف صاحب المشروع أي طلقة، على العكس فإنه يستفيد منها مادياً لحاجة الأطراف إلى السلاح فيقوم ببيعه بأسعار مضاعفة، وثالثاً إنك في هذه الحرب تقاتل عدوك بأخيك، ولهذا يقال عنها إنها حرب في سورية، وهذا هو المصطلح الأصح، فالحرب علينا هي حرب بالوكالة قامت بها دول عدة باستخدام أدوات جندت لها كل الإرهاب سواء في الداخل أو الخارج.
وأضاف العميد الحسن: إن مراكز الدراسات تشير إلى سبعة عوامل قامت عليها الحرب في سورية؛ خمسة منها خارجية واثنتان داخلية؛ العاملان الداخليان هما الفساد واقتصاد السوق الاجتماعي الذي لم تصل نتائجه إلى المواطن، أما العوامل الخارجية فهي: المشروع الأمريكي في استهداف المنطقة، الصراع العربي الإسرائيلي، الصراع القديم الجديد المتجدد والدائم بين حزب البعث والإخوان المسلمين كتنظيم عالمي، وخطورة النموذج السوري بالنسبة للحكام العرب، إضافة إلى «الجيوبوليتك» السوري وما قام به السيد الرئيس بشار الأسد من تشبيك وتفعيل الدور السوري من جديد في العالم.
وعن مسار الحرب في سورية لفت العميد الحسن إلى أنها مرت بأربع مراحل: التهييج، التحشيد، التصعيد وأخيراً مرحلة المخارج والحلول، ومنذ البداية كانت أوجهها متعددة، منها العامل الثقافي الذي كان عاملاً مهماً في غزو الناس فكرياً، واستغلال ذلك لتفكيك المجتمع السوري، وقد حقق هذا الغزو أهدافه في بداية الحرب، لكن الشعب السوري استعاد الوعي الوطني منذ بداية عام 2014، وتجلى ذلك بصورة أساسية عندما بدأت التسويات، وتم اعتمادها مساراً رئيساً في الذهاب إلى إنهاء الحرب.
وعن نتائج صمود الجيش العربي السوري الخارجية والداخلية قال: رغم استخدام كل وسائل الحرب ضد الشعب السوري، إلا أن الدولة السورية عملت على ثلاثة محاور أساسية هي: حركة القوات المسلحة السورية، التسويات والمصالحات، وأخيراً المبادرات (جنيف، أستانا)، وكان لصمود القوات المسلحة وإمساكها بزمام المبادرة وتحرير الأرض دور كبير في تقدم المسار السياسي، ويوازيه مسار التسويات، فتقدم القوات المسلحة يفرض واقعاً جديداً يتيح إنجاز تسويات في مواقع وجغرافية سورية.
المبادرات الشعبية
وللاحتفاء بعيد الجيش العربي السوري أشار العميد تركي إلى أنه لا بد من إحياء هذه المناسبة بمجموعة من السلوكيات المجتمعية كإجراء زيارات وتقديم الورد لجرحى الجيش العربي السوري ومقابر الشهداء وحواجز القوات المسلحة، والأهم تدعيم صمود الجيش من خلال المبادرات الشعبية، فالدولة السورية تدعم الجيش وتقوم بواجبها تجاه القوات المسلحة وذوي الشهداء والجرحى رغم الظروف الصعبة، إلا أن هذا لا يكتمل إلا بوجود شعب واع ومثقف يقف إلى جانب جيشه من خلال زيارته في الميدان، فيقدم له بسمة وزهرة وهدية رمزية تشكل عاملاً إيجابياً في رفع المعنويات.
وفي رده على سؤال ما هي المعايير التي يمكن للجيش العربي السوري من خلالها المحافظة على وجوده في الميدان، أجاب: لولا عقيدة الجيش لما صمد حتى الآن، فالجندي الذي يقاتل منذ بداية الحرب، هو الجندي نفسه الذي يقاتل الآن، وما دفعه للبقاء والقتال هو الإيمان بالوطن، والقسم الذي أقسمه على الولاء للوطن، وبرّ بهذا القسم.
وبالنسبة لتصنيف قوة الجيش العربي السوري بعد سبع سنوات من الحرب أوضح أن هناك تصنيفات عالمية للجيوش تعتمد على معايير: التسليح، العدد، القدرات الاقتصادية، الجغرافية، وإمكانية استمرار الحرب، والجيش الذي خاض سبع سنوات من الحرب مهما استشهد من عديده وخسر من عتاده فهو جيش قوي وسيعوض ما خسره، من ناحية أخرى، فإنّ الجيش السوري أعد كجيش كلاسيكي للحرب مع عدو معروف هو العدو الإسرائيلي، أما في هذه الحرب اللا متماثلة فتحول الجيش العربي السوري من القتال العام الكلاسيكي إلى القتال الخاص في المدن، الجبال، الغابات، الصحارى وغيرها، حيث اضطرت القوات المسلحة إلى أن تغير في أنظمة قتالها خلال ظروف الحرب، وهذا أمر صعب جداً، لكي تتوافق مع التحدي الجديد، واستطاعت الاستجابة لهذا التحدي، وهذا يعني أن الجيش العربي السوري لا يزال يُصنف على أنّه جيش قوي، بل أكثر من ذلك، فهو جيش قادر على إعداد الجنود في ظروف الحرب وهذا أشد وأقوى أنواع الإعداد العسكري، لذلك نجد خوفاً حقيقياً من الدول وتحديداً من «إسرائيل»، وخاصة لأن – على ما أعتقد- ما امتلكته الوحدات العسكرية من خبرات وقدرات تجعلها مؤهلة لخوض الحرب القادمة، فبعد انتهاء الحرب على الإرهابيين، معركتنا الأساسية لا تزال بوصلتها فلسطين.
استهداف العقل والهوية
«لا يخفى على أحد أن الحرب لم تستهدف سورية بمعركة عسكرية وحسب، بل كان لها صورة باطنية تستهدف العقل السوري والهوية السورية، وهو ما مضى إليه أعداء سورية الذين اختاروا أن يكونوا شركاء بالمعنى الحقيقي في الحرب ضدها وبدؤوا باستخدام مصطلحات لتزييف الحقائق وتضليل الرأي العالمي، واختزلوا ما يجري بمفاهيم ضيقة وغير بريئة، فوصفوا ما تمر به سورية بـ «الأزمة»، أو بتعبير آخر «الحرب في سورية»، ومن ثم قالوا «الحرب الأهلية الدائرة في سورية»، بهذه العبارات استهل رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية الدكتور نضال الصالح حديثه عن دور المثقف في الدفاع عن سورية وفي مواجهة الفكر التكفيري، وأشار إلى أن من تصدى للمعركة المستمرة في سورية منذ ست سنوات، هما مكونان أساسيان، حزب البعث العربي الاشتراكي ورجال الجيش العربي السوري، وكان لدورهما البريق والنصاعة الأكبر في مواجهة ما يجري على أرضنا، موضحاً أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب ضرب الفكر والوعي، وضرب النسيج السوري بمختلف أطيافه، حيث حاولوا بلا هوادة تفرقته وشرذمته عبر أطروحات طائفية ومذهبية للقضاء على اللوحة الفسيفسائية السورية التي لا تشبهها أي لوحة، لكنها استعصت على أعداء سورية، لأن السوريين تمسكوا بقيمهم وثقافتهم وهويتهم، ولولا هذا الوعي لما أنجزت هذه الانتصارات رغم كل الدعاية التضليلية التي استهدفت سورية، كما أن الثقافة العقائدية للجيش العربي السوري والمبادئ الوطنية كانت ولا تزال جذراً حقيقياً، وهي من أهم الأمور التي حصنت المؤسسة العسكرية، فكانت القلعة الحقيقية التي حمت هذا البلد.
وأكد د. الصالح أن المثقف السوري أثبت كفاءته الأخلاقية قبل الوطنية، ومن يمتلك هذا الرصيد من الأخلاق لا يمكن إلا أن يكون وطنياً بامتياز.
وفي رده على سؤال حول ضرورة إعادة تعريف المثقف، أوضح أنه يجب التمييز بين ثلاثة أنواع من حملة القلم، هم: المتعلم، والكاتب، والمثقف، ومن المؤسف أن هذه الأشكال تختلط عند كثيرين عن حسن نية، أو سوء نية، ولكل من هؤلاء الأشكال الثلاثة نظامه الأخلاقي المختلف عن الآخر تماماً، فالمتعلم قد لا يكون كاتباً ولا مثقفاً، لكنه يوضع في خانة المثقف، وفيما يخص الكاتب، فهو صاحب حرفة، أما الثقافة فهي رسالة، والفرق بين الحرفة والرسالة كبير جداً، إذ إن صاحب الحرفة يبحث عن عائدٍ لحرفته، أما صاحب الرسالة فيكفيه شرف حمل الرسالة التي يؤديها، وهو لا يبحث أبداً عن عوائد مادية لرسالته، ومن المؤسف أنه تم وضع الكتّاب والمثقفين في سلة واحدة.
وأضاف: إن الذين اختاروا أن يكونوا في الخندق المضاد لسورية، ينتمون لصنف الكتّاب وليس المثقفين رغم أسمائهم اللامعة إعلامياً، فلو كانوا مثقفين حقيقيين، لكانوا أخلاقيين بالضرورة على الرغم من كل ما يتعرضون له في سبيل تأدية رسالتهم، ضارباً مثلاً عن الرسل والأنبياء الذين تعرضوا لعذابات كثيرة وكبيرة لكنهم لم يتخلوا عن رسالاتهم، ففي الحروب والمنعطفات التاريخية الكبرى، ليس أمام المثقف سوى خيار وحيد، وهو أن يكون ثورياً، وحسبما تم تعريفه في الأدبيات السياسية، فإن الثوري هو آخر من يأكل، وآخر من ينام، وأول من يضحي، والمثقف الحقيقي يستطيع أن يعيش بكرامته فقط.
وختم رئيس اتحاد الكتاب العرب أن مشروع ثقافة التنوير في هذه الدورة في تاريخ الاتحاد يفتقد إلى روافع على أرض الواقع، لأن المعنيين في تحويل هذا المشروع إلى حقيقة، لم يكونوا على النحو الذي كنا نطمح إليه في فروع الاتحاد، لذلك نحن أمام خيار إعادة تشكيل هيئات وفروع الاتحاد لتكون رافعة حقيقية ومترجمة لما يجب أن يكون على الأرض ضمن الأطر الناظمة المعمول بها، وضمن المنظومة الأخلاقية الحقيقية.
قدوة في العمل النضالي
«إن العلاقة بين حزب البعث العربي الاشتراكي والجيش العربي السوري علاقة متداخلة والفصل بينهما ضرب من المستحيل»، معادلة بدأ بها تيسير بدور أمين الشعبة المركزية للحزب، مداخلته تمحورت عن تساؤل مفاده: ماذا قدم الحزب في هذه الأزمة للجيش والوطن؟ حيث قال: إن الإجابة تتكئ على عنوان عريض ألا وهو علاقة الحزب بالدولة، فمنذ تأسيس الحزب وقيام ثورة الثامن من آذار والحركة التصحيحية التي قادها القائد الخالد المؤسس حافظ الأسد تم بناء جيش عقائدي مؤمن بقضايا أمته وشعبه وأعطي من قبل قيادة البعث كل الاهتمام والدعم المادي والمعنوي والثقافي والفكري فكان مؤسسة عسكرية متحضرة، متقدمة تمكنت من خلال بنائها القوي الذي اتحد مع عوامل أساسية من المحافظة على وحدتها وقوتها قبل الأزمة وأثناءها، هذا من جانب، أما الجانب الآخر فيتعلق باستهداف الحزب كما الجيش، لأنه مؤسسة قادت سورية إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذه الجوانب بمجملها تؤكد أن هناك تداخلاً في البناء والعطاء الحزبي للمؤسسة العسكرية، وهو عطاء كان منذ بداية الأحداث في العام 2011 متنوعاً ومتعدد الأوجه فالبعثيون ومنذ اللحظات الأولى وضعوا أنفسهم تحت تصرف القيادة، وكانوا موجودين في المقرات الحزبية على مدار الساعة وعلى أتم الجاهزية للقيام بأي مهمة على امتداد التراب السوري، وقد تم تشكيل فصائل على مستوى قيادات الفروع لكنها لم ترَ النور، وفي العام 2013 شكلت كتائب البعث وهي جناح مسلح تعمل كرديف للجيش والقوات المؤازرة له وهذه الكتائب قدمت ولا تزال تقدم الشهداء والدعم العسكري والخدماتي، ثم شكل لواء البعث الذي حارب على مختلف الجبهات وقدم شهداء في مختلف الميادين، وكان إلى جانب الجيش والقوات المسلحة في كل العمليات العسكرية، ومؤخراً تشكل الفيلق الخامس وجلّه من البعثيين الذين تم تدريبهم وتأهيلهم وهم موجودون في ساحات القتال.
تابع بدور: دعم الحزب للجيش لا يقتصر على العنصر البشري فحسب، فالحرب التي شنت على سورية حرب ممنهجة استهدفت كل مكونات ومؤسسات ومنشآت الدولة بلا استثناء ويعدّ تمسك رفاقنا والتزامهم بالدوام رغم الظروف الصعبة عاملاً أساسياً من عوامل الصمود والتصدي لكل محاولات الإرهابيين التكفيريين، وبالطبع عند الحديث في هذا السياق لا يمكننا إغفال الجانب الفكري وهو دور مهم قام به رفاقنا وجسدوه في منتدياتهم وأعمالهم الثقافية والفكرية التي كانوا ينشرون عبرها الوعي والإيمان وحب الوطن والثقة بالجيش العربي السوري، ليختتم مداخلته بالقول: البعثي يجب أن يكون قدوة للآخرين في العمل الأخلاقي والنضالي ومن يؤدي واجبه بالشكل الأمثل يعدّ أكبر داعم للعملية العسكرية وصمود الدولة ضد القوى الإرهابية والظلامية التي صبت شرورها على سورية.
الحالة الجماهيرية
وفيما يتعلق بكيفية إعداد الجهاز الحزبي وتثقيفه في معركة الصمود أشار عادل رمضان عضو قيادة الشعبة المركزية إلى أن حالة الإعداد هي الأساس، فما نواجهه هو فكر ظلامي وأمامه نحن بحاجة إلى تدعيم الفكر الصحيح المعزز بالانتماء الوطني، وهذا يتم العمل عليه من خلال البرامج التي يقوم بها مكتب الإعداد وتتضمن القيام بعدة أنشطة ثقافية للجهاز الحزبي لتعميم الفكر على كل فئات المجتمع يضاف إليها مناظرات ودورات إعداد وتثقيف ذاتي، ومن خلال هذه الجهود يتم التركيز على الحالة الجماهيرية.
وفي رد على تساؤل عن قرار تثبيت العضوية، بيّن بدور أن التنسيب للحزب كان كمياً، وهو أمر تم تفاديه من خلال ذلك القرار الذي كان صائباً في حينها، فهناك الكثير من الناس الذين انتسبوا للحزب لقضايا انتهازية، وعندما بدأت الحرب أغلبهم غادر أو حمل السلاح ضد الدولة.
وعن الدور الذي منحه الحزب للمرأة ضمن جناحه المسلح «كتائب البعث» التي تضم في صفوفها المتطوعين والمتطوعات، أكد أمين الشعبة المركزية أن الحزب كان ولا يزال سباقاً في مسألة إنصاف المرأة وتعزيز دورها فهو لم يفرق يوماً بين الرجل والمرأة حيث كانت الرفيقات موجودات في كل ميادين الحياة والعمل، وقد تم إحداث كلية عسكرية للبنات من أجل تأهيل المرأة وتدريبها تدريباً عسكرياً.

print