ت:عبد الرحمن صقر
لم تنم أم حسن في تلك الليلة التي صدرت فيها نتائج شهادة التعليم الأساسي « التاسع» قريرة العين، فابنها البكر وفرحة قلبها حسن لم يسعفه مجموعه لتخطي حاجز القبول في التعليم الثانوي العام، فأدرج اسمه على قائمة المقبولين في التعليم المهني والتقني، وهو ما جعل دمعتها تسيل على خدها، وعقلها دائم الشرود تفكر فيما ستفعله وكيف ستتصرف إزاء ذلك الأمر، هل ستجد ثغرة في تعليمات القبول تخرجها من ذلك الهم أم ماذا؟ فما رسمته في مخيلتها عن هذا النوع من التعليم جعل جميع المحاولات لإقناعها تصاب بالفشل الذريع.
مقابل دموع أم حسن، كانت الفرحة لا تتسع أم محمد التي تفوق ابنها في البكالوريا الفنية قسم تبريد وتكييف وحصد نتيجة تعبه الذي أهله لدخول سوق العمل من جهة وفتح أمامه أبواب كلية الهندسة الميكانيكية على مصراعيه من جهة ثانية.
بين دموع هذه وفرحة تلك وغيرهما الكثير من الأهالي والطلبة، تبقى تجربة التعليم المهني والتقني التي تجاوز عمرها عشرات السنين غائمة تبحث عن استراتيجيات للنهوض به وتطويره وتدعيمه وتغيير العقلية السائدة تجاهه, هذه العقلية التي جعلت نسبة عزوف الطلاب عن طرق أبوابه تصل إلى نسبة كبيرة، على الرغم من أننا اليوم أحوج ما نكون للمهرة والتقنيين والصناعيين للاستفادة من خبراتهم في مرحلة إعادة إعمار سورية، فالتجارب أثبتت -وحسبما ذكر الدكتور سعيد خرساني معاون وزير التربية لشؤون التعليم المهني والتقني ، خلال لقاء مع «تشرين»- أن الدول الصناعية بنت تقدمها على خريجي المدارس الصناعية فيها، وأن هذا التعليم المكلف جداً الذي تصل فيه تكلفة الطالب حوالي الـ( 400) ألف ليرة سورية سنوياً يتيح لطلابه إلى جانب المعارف النظرية والثقافة العامة، مهارات يدوية ثمينة تساعدهم على امتلاك مفاتيح الدخول إلى سوق العمل.
نظرة تفصيلية
صحيح أن الوزارة لم تأل جهداً في سبيل تحقيق تلك النظرية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ونحن نقف على عتبات أبواب العام الدراسي الجديد: لماذا لا يزال هذا التعليم في سورية يئن من كثرة أثقاله ومتاعبه وهمومه التي حاولنا في ملفنا هذا رصدها لمقاربة واقعه، والتعرف إلى نقاط القوة والضعف فيه وأهم التحديات التي تواجهه، والبداية كانت مع أطراف المعادلة الطالب والمعلم في حديث ذي شجون حمل بين عباراته هواجسهم وطموحاتهم.
دخلت تجربة التعليم المهني إلى سورية منذ عشرات السنوات كما بين مازن شيخ نجيب معاون مدير التعليم المهني والتقني في وزارة التربية، وكانت حينذاك بسيطة، لتتطور عاماً بعد عام نحو الأفضل، وقد تخرج فيها دفعات كثيرة من الطلاب المهنيين، ومن ثم أخذت أعداد المدارس المهنية تزداد في جميع المحافظات السورية ما حدا وزارة التربية على تجهيز المستلزمات والآلات الخاصة بالتدريب والمدارس، وأضاف: يتوزع التعليم المهني في سبع وزارات تستوعب وزارة التربية 90% على الأقل من الطلبة المسجلين فيه، حيث يتبع له 577 ثانوية مهنية (صناعية- تجارية- نسوية) ويبلغ عدد المهن 22مهنة، بينما يتوزع التعليم التقني في 12 وزارة تستوعب وزارتا التربية والتعليم العالي معظم الطلاب المنتسبين إليه، حيث يتبع لوزارة التربية 64 معهداً تقانياً (صناعية- تجارية – اقتصاد منزلي) وتتضمن 24 اختصاصاً، وهذه المهن بمجملها في كل الاختصاصات تشمل تقنيات الحاسوب والتقنيات الإلكترونية والاتصالات والميكاترونيكس والتقنيات الكهربائية والتكييف والتبريد والتدفئة والتمديدات والنماذج والسباكة وميكانيك وكهرباء المركبات وميكانيك المركبات وكهرباء وإلكترون المركبات والآليات والمعدات الزراعية والنسيج والغزل واللحام وتشكيل المعادن واللحام ونجارة الأثاث والزخرفة وصيانة الأجهزة الطبية وصناعة الألبسة وخياطة الملابس والحلاقة والتجميل والتجاري، علماً أن رغبة الطلاب في التسجيل تختلف، ففي البعض من تلك التخصصات يكون الإقبال كاملاً، بينما تظل القوائم في بعضها الآخر تعاني الفراغ، وأسباب ذلك مختلفة ومتعددة، هذا ما أكده الطلبة والمعلمون ممن التقيناهم.
المدرسون والطلبة .. استحياء
بعض الطلاب الذين استطعنا التواصل معهم أثناء العطلة الصيفية يصلك إحساسهم بالخجل والـ«دونية» أثناء الحديث عن فرعهم المهني الذي يدرسونه، بسبب نظرة المجتمع التي لم تتغير على الرغم من أنّ هناك عدة فروع للتعليم المهني أصبح دخولها يحتاج درجات تفوق التعليم العام بعشرات الدرجات، وثمة طلابٌ آخرون كطلاب المعلوماتية والحاسوب والأجهزة الطبية ومن كان من طلاب الفروع الأخرى مسلحاً بحب مهنته وتشجيع أهله لم نجد لديه هذا الحرج.
نظرة الدونية تلك أكدها الأستاذ يامن قنبر «إداري في مدرسة عدنان اللحفي» في منطقة مشروع دمر معتبراً أنها تدفع الطالب إلى إهمال الدروس نتيجة اهتزاز الثقة بالنفس وبالفرع أو المعلومات، ونحن كإدارة -والكلام للسيد يامن- نحاول بمساعدة الأهل تعريف الطلاب بأهمية ما يدرسونه والحرف والمهن والعلم الذي يتلقونه ونقوم بتشجيعهم على المضي قدماً، وللأسف مؤخراً بسبب الظروف الراهنة وانشغال الأهل أو ابتعاد الأب عن المنزل نقوم بدور العائلة أيضاً، ولا يخفي من جانب آخر ازدياد الوعي لدى بعض الأهالي من حيث اختيار الفرع الأمثل لابنهم دون النظر لعلاماته وإتباع رغباته وميوله.
وعلى العكس تماماً يرى أساتذة آخرون من اختصاصات مختلفة أنّهم كمعلمي تعليم مهني المفترض بهم رفع معنويات طلابهم لكنهم يحتاجون من يرفع معنوياتهم، ولاسيما أنّهم يشعرون أيضاً بأنّهم أساتذة فئة ثانية مقارنة بمعلمي التعليم العام، من الناحية المادية «دروس خصوصية» والتقديرية أيضاً ومن حيث نوعية الطلاب، ويتمنون لو يتم العمل بالدورات أو الرحلات التعريفية للطلاب في المرحلة الإعدادية لتعريفهم بأقسام التعليم كلها ومن ضمنها المهني لكي يكون الطالب أكثر دراية بالفرع الذي سيختاره أو سيعمل فيه مستقبلاً.
يبتعدون عنه طلاباً وأساتذة!
طالب الإلكترون هادي رضوان من الصف العاشر يقول إنّ درجته هي التي أدخلته هذا الفرع والسبب الأهم هو قرب المدرسة وأنّه سيحاول النجاح في كل سنة ليحصل على شهادة البكالوريا فقط ودخول أي معهد والاستمرار في الدراسة قدر الإمكان، مشيراً إلى أنّ بعض رفاقه يتسربون من الدوام المدرسي لحاجتهم للعمل في ظروف الحياة الصعبة.. وئام طالب معلوماتية دخل بملء إرادته يريد أن يصبح مهندساً.. ماهر طالب نجارة لا يعرف كيف دخل هذا الفرع لأنّه لم يأت مع أهله عندما سجلوا له مفاضلة الدخول.. محمد طالب معلوماتية تؤهله علاماته إلى دخول الفرع العام ولكن مع ميزة أنّه ابن آنسة تعمل في وزارة التربية حيث يحقّ له دخول أي فرع وفق نسبة الاستيعاب ومع «دفشة» صغيرة دخل قسم المعلوماتية مع العلم أنّه متوسط الحال في المواد العلمية!، هؤلاء عينة عشوائية بسيطة من طلاب التعليم المهني تضيء جانباً من حاله، مع العلم أنّ الفروع التي تعلو علاماتها على علامات الفرع العام تشهد انضباطاً أكبر في الدوام والتعليم حسب الأساتذة والطلاب.
وهناك عينة أخرى من الطلبة تفضل تعلم المهنة مع تقاضي أجر مناسب عند صاحب ورشة على تعلمها في المدرسة وتقاضي مبلغ 3 ليرات تعويضاً على كل يوم دراسي أو 100 ليرة شهرياً -الذي لم يعد يكفي أجرة تنقل لهم- وعلى البقاء فيه ومتابعة زملائهم الآخرين والراسبين في إفشال أي حصة درسية وإضاعة الوقت والشجار مع الأساتذة والإدارة.
وليس الطلبة فقط من يعاني موضوع التعويض المادي فالأساتذة أيضاً يتلقون تعويض 50% على راتبهم ولكن وفق راتب العام ذاته الذي ذكرناه سابقاً ما يشعرهم بالغبن، يضاف لهم الأساتذة الوكلاء كما أخبرنا الأستاذ عبد المعين الكردي الموظف المسؤول في شعبة توجيه التعليم المهني في مديرية التربية بدمشق حيث تجد المديرية صعوبة في تأمين الوكلاء للمدارس التي تطلب تغطية النقص فيها ولاسيما إن كانت المدرسة بعيدة عن منزله فتكون أجرة الدرس لا تكفيه مبلغ تنقله بين المدرسة والبيت.
من جهتها، أشارت أميمة مسعود -معاون مدير التربية لشؤون التعليم المهني والتقني بدمشق إلى أنّ العملية التعليمية مستمرة قي أغلب المدارس المهنية ولم تتضرر، فمعظمها يقع داخل مدينة دمشق وتمّ إغلاق مدرسة واحدة هي الصناعة الرابعة في منطقة كراجات العباسيين نظراً لقربها من مناطق التماس مع المسلحين وتمّ استيعاب طلابها في بقية المدارس.
الزوادة والمدخل
آراء المعلمين والطلبة تلك كانت زوادتنا ومدخلنا إلى كشف أسرار وتفاصيل هذا النظام التعليمي إذ بين مازن شيخ نجيب أن واقعه يتأرجح بين نقاط القوة والضعف، فنقاط القوة المتمثلة في الطاقات والقدرات المتوفرة فيه تمكنه من القيام بعلميات إنتاجية تساعد على ربط التعليم والتدريب بالإنتاج والحصول على موارد إضافية من خلال المرسوم التشريعي رقم 39 الناظم لذلك، ومن خلال مذكرات التفاهم الموقعة ما بين وزارة التربية والجهات المعنية، وتوفر الكفاءات في نظام التعليم المهني وتوافر إمكانية رفع مستوى أدائهم بتعديل التشريعات لجعله أكثر جاذبية بزيادة الحوافز للمنتسبين، واهتمام وزارة التربية بتجويد أداء التعليم والتدريب المهني والتقني، وإمكانية الاستفادة من المشاريع المشتركة مع المنظمات الدولية.
في حين أن نقاط الضعف هي وجود اختصاصات متماثلة في الوزارات المختلفة، ما يؤدي إلى عدم تنفيذ أي استراتيجية موحدة، وتعدد جهات الإنفاق على هذا النوع من التعليم، وضعف التنسيق بين الوزارات بما يخدم حاجات المنطقة وسوق العمل فيها، وقلة الموارد المخصصة للتدريب وإعادة التأهيل والبحث والتطوير وإعداد المناهج والتقييم، وضعف وصعوبة التنسيق بين قطاع الأعمال وقطاع التعليم، فأهدافهم وطرق عملهم مختلفة، إذ تتطلع الشركات لتحقيق الأرباح السريعة في حين أن لمهمة التعليم نتائج بعيدة المدى، وبالنسبة للتغذية الراجعة الكمية والنوعية لسوق العمل حول خريجيه تكون ضعيفة جداً، وتظهر مؤشرات سوق العمل نشاطاً متواضعاً ومعدلات توظيف منخفضة في سورية، ما يؤثر سلباً في هذا النوع من التعليم، أضف إلى ذلك ضعف ارتباطه بخطط التنمية وسوق العمل المحلية والإقليمية، واعتماد أسس القبول فيه على مجموع الدرجات المنخفضة.
أما أبرز التحديات التي تواجه التعليم المهني في رأيه فتكمن في عدم استقلالية المؤسسات التعليمية في الإنفاق المالي على العمليات التدريبية والتعليمية، وهيمنة آلية السوق التي تؤدي إلى زيادة أعباء التدريب وتكاليفه، وعزوف المستثمرين عن الاستثمار داخل القطر، وعدم الترويج الإعلامي بالشكل المطلوب لأهمية هذا النوع من التعليم، والحصار الاقتصادي المفروض على سورية.
تعليم مزدوج
ولتذليل هذا الواقع وتحدياته يقول معاون وزير التربية الدكتور سعيد خرساني: حرصاً منا على استمرارية الطالب في نهل العلوم تم إحداث كليات العلوم التطبيقية في جامعات دمشق وحلب وتشرين والبعث التي تستوعب 80% من خريجي الثانويات المهنية باختصاصات مختلفة، والحصة المتبقية للتعليم العام، وبذلك تم افتتاح مسارات علمية جديدة لخريجي التعليم المهني وهيأت لهم الدخول إلى الجامعات، فمن خلال التعاون مع وزارة التعليم العالي يتم قبول 3% من الخريجين الثلاثة الأوائل على مستوى الثانويات المهنية من جميع المحافظات لكل مهنة، ومن كان معدله جيداً جداً من التعليم الصناعي سيتاح له الدخول إلى كليات العلوم التطبيقية، وفي التعليم التجاري يتم قبول 5% من الأوائل في كل محافظة في كلية الاقتصاد، أما 5% من الأوائل في المعاهد الصناعية فيدخلون مباشرة للسنة الثانية في كليات الاقتصاد، والمعاناة تكمن في التعليم النسوي الذي يفتقر إلى التخصصات، ولكن هناك خطة جديدة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي لإدخال تخصصات الحلاقة والتجميل في كل من دمشق وحلب وحمص.
ويضيف: إن الهدف من إقامة التعليم المهني والتقني هو مد سوق العمل بعمال مهرة أو فنيين أو تقنيين، وهذا ما يفرض تعاوناً بين التعليم المهني وسوق العمل، ولذلك فقد كانت لدينا تجربة التعليم المزدوج، أي قيام الطالب بالدراسة ثلاثة أيام في المدرسة، ثم التوجه للمنشأة الاقتصادية للعمل فيها، وبهذه الصورة يكتسب المهارات المطلوبة من سوق العمل.. سابقاً كنا ننقل الطلبة لتلك المنشآت، وقد توقفنا خلال الأزمة عن ذلك لوجود المصانع في الأرياف، لكن طلبنا من أصحاب المنشآت استخدام أقبية مدارسنا مقابل تدريب طلابنا وتعليمهم المهارات الأساسية للحصول على منتج حقيقي، ونسبة 10% من الإنتاج، والهدف النهائي هو تحويل المنشأة التعليمية إلى منشأة تعليمية وإنتاجية ضمن مرسوم الإنتاج رقم/35/ الذي يقضي بتعهد صاحب المنشأة بتقديم جميع المستلزمات والعائد من الإنتاج يقدم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتوزيعه على مراكز الإيواء ومساعدة الأهالي.
إصلاح المقاعد الدراسية
ويتابع: عملنا لا يقتصر على الإنتاج فقط، فهذا العام لدينا 70 مدرسة في حلب تم افتتاحها في التعليم الأساسي بحاجة إلى إعادة تأهيل، لذلك حرصنا على جلب الهياكل الخاصة بالمقاعد لنضيف لها الصناديق الخشبية بعد أن وقعنا عقداً مع nrc النرويجية لإنجاز عشرة آلاف مقعد، وطلبنا منهم المواد الأولية وعلينا التنفيذ والإنجاز، ووزعنا على كل محافظة من المحافظات 2000 مقعد جديد، وبهذا استثمرنا مهارات الطلبة وكذلك المدرسون المشرفون عليهم، وعملنا على تغيير النظرة الدونية من المجتمع للتعليم المهني التي أؤكد أنها تغيرت ولم تبق مقتصرة إلا على المهن الميكانيكية فقط، ولتجاوز ذلك نسعى إلى تكبير الجذع الخاص بها من خلال دمج مهنتين أساسيتين لزيادة الإقبال عليها.
تعدد الجهات المشرفة
وعن تعدد الجهات المشرفة على التعليم المهني بيّن الدكتور سعيد أن هذا الأمر قد طرح منذ سنوات سابقة، ولا أظن أن لذلك حلاً على المستوى الحكومي، فمثلاً بعد المرحلة المتوسطة هناك العديد من المعاهد التي تتبع لـ(12) وزارة، ومن أجل ذلك ينبغي توحيد المعطيات التي تقدم للطالب كي لا يكون هناك أي اختلاف بين خريجي تلك الوزارات.. صحيح أن هناك مظلة هي المجلس الأعلى للتقانة الذي يسعى لتوحيد الاختصاصات والجهات المشرفة من خلال طرح هيئة مستقلة للتعليم التقني، ونحن بحاجة لتجاوز المنغصات السابقة جميعها.
بكل تأكيد نقول إن المرسوم التشريعي جامع وشامل لكن المشكلة في التعليمات التنفيذية، وهي موضوعة منذ عام 2005 ولا تتمشى مع الواقع الحالي، وقد شكلت لجنة لوضع تصورات جديدة من أجل العمل لمصلحة الغير الذي يؤمن لنا الأموال ويبعدنا عن التفكير في قضايا البيع والشراء التي تحتاج متفرغين ويصبح دورنا تعليمياً وتدريب طلابنا ومعلمينا، ونحن في اللمسات الأخيرة لهذا التعديل المفيد والجوهري.
التسرب
وفيما يتعلق بالتسرب قال: قديماً كانت نسبة القبول في التعليم المهني 40% من الطلبة يتسرب منهم 20% أما اليوم وبفعل التخصصات الجديدة فقد قلّت النسبة، وما نعانيه هو تسرب المعلمين بسبب النزوح والهجرة ولذلك ستجرى مسابقة لتعيين مابين 4000- 5000 من معلمي الحرف الجدد خلال شهر آب بعد موافقة رئاسة مجلس الوزراء، وسنقوم بإجراء دورات تدريبية لهم بعد اجتيازهم جميع المراحل في الاختصاصات كلها.
الارتباط مع سوق العمل
التعليم الفني والمهني والتقني من دون سوق العمل سيكون فاشلاً، ومن دون قطاع خاص وسوق عمل أيضاً سيكون فاشلاً، لذلك لابد لهذا الزواج من أن يتم، وقد أنشأنا مدرستين في دمشق وواحدة في حلب لصناعة الألبسة بالدرجة الأولى، وخاطبنا غرف الصناعة في كل من حمص وحماة واللاذقية وطرطوس لتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وننتظر الردود، كما أننا بصدد إنجاز مذكرة التفاهم حول صناعة الأنسجة، الأمر الذي ينعكس بالفائدة على أطراف المنتج جميعاً، حيث سيتم تدريب الطالب وتوفير مردود مادي له بحصوله على عشرة آلاف ليرة شهرياً، وقد لاحظنا إقبالاً كبيراً على هذه التجربة.
حين يتحقق هذا الزواج الحقيقي بين سوق العمل والتعليم المهني ستكون فرص العمل للطلبة المطلوبين وفق حاجة السوق لهذا التخصص أو ذاك مؤمنة بشكل كامل.. نحن بحاجة إلى زواج دائم مع القطاع الخاص، ومن باب الحرص جاءت فكرة فتح مسارات جديدة في التعليم الجامعي لمصلحة التعليم المهني الذي يحصل الآن على نسبة 30% من التعليم العام، لكن هذه النسبة ليست حقيقية، لأنها ترتفع إلى 40% لكون العديد من طلاب التعليم العام يتوجهون للمهني وهناك من حصل على مجموع 2500 أو 2400وتوجه للتعليم المهني، خاصة في اختصاص المعلوماتية وصيانة التجهيزات الطبية والكهرباء والإلكترون.
محفزات للطلبة والمعلمين
المعلم في مدارسنا المهنية ليس كالمعلم في المدارس الإبتدائية، فهو مدرب فني وباختصاصات مختلفة، وهو ثروة وخبرة سنين طويلة، ومن الصعب التفريط به لكونه يعمل على نشر وتنمية الوعي الصناعي والتقني بين مختلف شرائح المجتمع.
وهنا يؤكد الدكتور سعيد أن السعي قائم لعدم تحميل الحكومة أي أعباء مادية ولن نعطي الطالب أو المعلم إلا من عرقه، فلكل ثانوية مهنية ومعهد تقني رقم حساب خاص بهما في البنك، والمدير هو آمر صرف يستطيع شراء الأدوات التي تكفل له نجاح العملية الإنتاجية، وجني الأرباح وتوزيعها، أما على صعيد التخفيض الضريبي فتم منح المؤسسات التي تقوم بتدريب الطلاب حسماً مقداره 20% من نسبة الضرائب المترتبة عليها.
في المحصلة، إذا نجحنا في تحويل المنشآت التعليمية إلى منشآت تعليمية وإنتاجية نكون قد قطعنا شوطاً مهماً لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ونسعى حالياً لإجراء مذكرات تفاهم مثل ابن السوق التي تقوم على مبدأ العرض والطلب.
ليختم حديثه بنظرة مستقبلية مفادها: حين أصل إلى زواج تام مع القطاعين العام والخاص في منح وظائف للخريجين، لن أقبل إلا الطالب الذي له مكان في سوق العمل، وإذا ما تحقق ذلك سيزداد الإقبال على التعليم المهني، وهناك تعاون ملموس مع مرصد سوق العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ضمن هذا الإطار، ووفقاً لذلك وضمن خطة إعادة الإعمار في سورية أدخلنا اختصاص الاتصالات الإلكترونية والتحكم الآلي والحلاقة والتجميل إضافة إلى فتح مسارات جامعية جديدة وتطوير المناهج التعليمية.

print