أمام آلته الخشبية القديمة التي يبلغ عمرها أكثر من 300 عام يتربع العم عيد الحسن محركاً بأصابعه الخشنة شرانق الحرير في قدر من الماء المغلي ليحلّ منها خيوط الحرير قادماً من قريته دير ماما في محافظة حماة إلى اللاذقية بدعوة من مديرية الزراعة والأمانة السورية للتنمية لتدريب المزارعين والمربين لدودة القز وكذلك المهندسون على حلّ خيوط الحرير وتحويلها إلى مادة جاهزة لصناعة الملابس.
خمسون عاماً من العمل في تربية دودة القز وصناعة الحرير كانت كفيلة لنقل خبرته في تلك الحرفة التي يراها ممتعة وتحتاج الإبداع والدقة والعطاء وهي رافد للحياة الاجتماعية ولها قيمة أثرية وتراثية، إضافة لأهميتها الاقتصادية وكذلك الطبية في معالجة بعض الأمراض الجلدية كما يقول، مشيراً إلى أن هذه الحرفة إذا لم تلق الدعم لتسويقها سوف تموت.
عادت رغم الحصار
الدكتور المهندس إياد محمد- رئيس دائرة وقاية النبات في مديرية زراعة اللاذقية أشار إلى أن تربية دود القز انقطعت لفترات طويلة نتيجة الحصار الجائر على سورية منذ 2011 ولم يكن هناك أي بيوض وتوقفت التربية لتعود من خلال استيراد بيوض من الصين وكوريا، قائلاً: بالخبرات المحلية الموجودة في مديرية زراعة اللاذقية تم إنتاج سلالة محلية من البيوض وتم اختيار أفضل سلالة من حيث اللون والشكل والوزن، ليتم إنتاج 40 علبة بيض وزعت مجاناً على المربين في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماه، وتم إرسال علبة إلى جامعة دمشق لإجراء التجارب عليها.
سنعيد التجربة
المربيان سعيد حسون ومحمد طه من قرية القنجرة يعتبران أن تربية دود القز ممتعة لكن عملية حل الخيوط هذه تحتاج الدقة في العمل والحذر في التعامل مع المياه الساخنة، ويرى حسون أن التدريب أتى في مرحلة مهمة إذ أن إنتاجه من الشرانق يعد جيداً وكان ينتظر الفرصة ليتعلم حل الخيط ويحصل على الحرير.
بدوره أشار طه إلى أنها أول تجربة له في حرفة صناعة الحرير، وسعى لذلك من قبيل تحسين الواقع المعيشي، كما سيدفع أبناءه لتعلم ثقافة العمل والإنتاج، وقد تشارك مع زوجته في مشروعه.
وأضاف: أول مرة أعمل على هذه الآلة التي تستخدم في حل الخيط وهذا شيء جديد وممتع، أما خوفهما من تسويق المنتج فقد تلاشى بمجرد سماعهما وعود مديرية الزراعة وكذلك الأمانة السورية للتنمية برغبتهما شراء المنتج بسعر يرضي المربي ولا يضيمه، وأشار المربيان إلى رغبتهما في إعادة التجربة إذا ما كان المردود مناسباً والمواد الأولية متوافرة.
وقال أمير حميدوش وجميلة زيود المشاركان في الدورة: إن مديرية الزراعة وزعت دود القز مجاناً في الطور الثالث، وقمنا بتربيته باتباع الإرشادات التي زودتنا بها، وأضافا: العمل بتربية دودة القز متعب ومجهد. لكن المشكلة التي اعترضت عملهما هي عدم توافر الأدوات اللازمة كالجوني (الكرينة) حيث تمت الاستعاضة عنها بعلب كرتونية تم وضع الدود فيها وأنتجوا بعدها الشرانق، وأتيا للتدريب ليتعرفا إلى كيفية حل الشرانق وصناعة خيوط الحرير منتظرين بعدها الدعم للتسويق معبرين عن سعادتهما بأن يكون لهما دور في إعادة إحياء هذه الحرفة.
استمرار العمل
بدورها المهندسة الزراعية إيمان عكاشة حضرت الدورة لتستفيد هي الأخرى باعتبار أن دودة القز وصناعة الحرير كان موضوع رسالتها للماجستير التي قدمتها بعنوان (تأثير التغذية الإضافية على إنتاجية ديدان القز وتجريب أدوات التشرنق المناسبة لتشرنق الديدان)، مؤكدة أن دودة القز تتغذى بشكل أساس على ورقة التوت، حيث كانت هناك محاولات تجريبية لتغذيتها على ورق الخس والبرتقال، ولكن لم تنجح التغذية حيث وصلت الدودة للعمر الثالث وانفجرت، وهذا يشير إلى أهمية ورق التوت لتغذيتها لأن هناك تركيبة خاصة تدخل في تركيب خيط الحرير، وأضافت: جربت أن أضيف مواد غذائية إضافية للورقة مثل (غذاء ملكي عسل النحل، اليانسون والبابونج والخميرة الطبية وخميرة الخبازين) وبتراكيز معينة فكانت النتيجة أن إضافة بعد المواد الغذائية وليس كلها تعطي مخزوناً إضافياً من البروتينات والكربوهيدرات، وهذا يؤدي إلى زيادة وزن الورقة وزيادة الإنتاجية وإعطاء شرانق ذات حجم كبير تزيد من كمية الحرير، ما ينعكس على دخل المربي، مضيفة: جميع المواد الغذائية أدت إلى زيادة في الإنتاجية وخاصة العسل والغذاء الملكي بتركيز 0.25 % والعسل بتركيز 1%، وأكدت أن إنتاج الحرير من الأنشطة الاقتصادية الصناعية والزراعية التي تحقق ربحاً وعائداً قوياً للمربي والبلد ولاسيما أن الظروف المناخية للمنطقة ملائمة لهذا النوع من العمل ويؤمن فرص عمل للشباب أو للفئة الفقيرة في الأرياف.
وبينت المهندسة الزراعية سوزان حطاب من مركز وادي قنديل لتربية دودة الحرير أن الدورة مكملة لعمل المربين وهي مفيدة، ونجاح هذا العمل يكون باستمرارية عمل المربين في عملهم بالدرجة الأولى، ودعمهم بالمواد الأولية وتصريف إنتاجهم بأسعار مشجعة.
ملتزمون بالتصريف
من جهته، أشاد رئيس دائرة وقاية النبات باهتمام المربين وحرصهم على متابعة المعلومات في تربية الدودة من مديرية الزراعة والتزامهم بالتعليمات والإرشادات، وقال: أقمنا هذه الدورة بالتعاون مع الأمانة السورية للتنمية لتعريفهم بكيفية حل خيوط الحرير وكيف يحتفظون بالشرانق والحرير.
وختم قائلاً: إن حل شرانق الحرير حرفة يدوية ومشروع مولد للدخل في المناطق الريفية، والمديرية على استعداد لشراء الشرانق أو الخيوط بأسعار تناسب جهد المربي، كما أنه سيوزَع على كل مجموعة من المربين دولاب خشبي لينتج الخيوط بنفسه بعد انتهاء الدورة.
وأضافت المدير التنفيذي للشركة السورية للحرف في الأمانة السورية للتنمية زينة ديبة أن الورشة تستهدف 25 متدرباً من المزارعين والمهندسين الزراعيين المهتمين بهذه الصناعة، مؤكدة أن هدف الجمعية هو إعادة إحياء الحرف القديمة والمحافظة عليها من الاندثار وحرفة صناعة الحرير من أهم الحرف التقليدية التي تحتاج إعادة إحياء لما فيها من نشاط اقتصادي يعود بالفائدة على المربي، ولاسيما أن المواد الأولية المطلوبة لتربيتها موجودة في المناطق السورية وبكثرة.

print