الحالة التي انتابتني أثناء إعداد هذا الموضوع وكتابته لم تمر علي طوال عملي الصحفي، إذ كلما شرعت بالكتابة وتذكرت الأرقام المتعلقة بزراعة القطن في الحسكة ولاسيما المساحة المزروعة خلال الموسم الحالي يعتصر قلبي ألماً فيصاب قلمي بالجمود وأشعر بالتعب من الكتابة (مالي نفس .. مقهور).
ومن دون إطالة نقول: إن المساحة المزروعة خلا ل الموسم الحالي بالقطن في محافظة الحسكة تبلغ 1740 هكتاراً، وهذا يعني أن زراعة هذا المحصول الاستراتيجي المهم لم تتراجع وليست في طريقها إلى الانقراض بل انقرضت نهائياً من المحافظة الرائدة بهذه الزراعة التي تعد من الزراعات العريقة فيها، ولكي تدركوا حجم الكارثة وتعذروني على الحالة التي انتابتني، نقول: إن المساحة التي كانت تزرع بالقطن في محافظة الحسكة كانت تصل إلى 100 ألف هكتار، وصل إنتاجها إلى نصف مليون طن في بعض المواسم، وأن تتراجع هذه المساحة إلى بضعة هكتارات وذلك الإنتاج إلى بضعة أطنان فقط، فهذا يعني أن محصول القطن وصل إلى الحضيض زراعة وإنتاجاً. وهذه كارثة بكل ما في هذه الكلمة من معنى تجر معها كوارث، من ذلك على سبيل المثال أن زراعة القطن في سورية تخلق وحدها مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وهذه إحصاءات رسمية سبق أن صدرت عن وزارة الزراعة (في افتتاح مهرجان القطن 56 في حلب 24/10/2011) وهذا ما دعا الحكومة إلى الاهتمام بهذا المحصول الاستراتيجي عبر دعم البحث العلمي الزراعي واستخدام التقانات الحديثة في عمليات الري وتطبيق برنامج المكافحة الحيوية ما انعكس إيجاباً على زيادة الإنتاج كماً ونوعاً.
زراعة عريقة تاريخياً
وبغض النظر عن هذه الأرقام والمعلومات نحن نعرف ذلك جيداً أكثر من غيرنا لأننا ننتمي إلى المحافظة المتخصصة بزراعة القطن، وكنا نرى بأم العين حجم العمالة التي تحتاجها منذ بدء الزراعة ودس البذور في التراب حتى القطاف، ففي القطاف وحده نذكر جيداً أن ورشات القطاف الحسكية لم تكن تكفي فكان المنتجون يستعينون بورشات القطاف في دير الزور والرقة، وخاصة أن القطن في هاتين المحافظتين كان ينضج قبل القطن في الحسكة بحدود الشهر، يضاف إلى ذلك العدد الكبير من المعامل والمصانع والمحالج والورشات العامة والخاصة التي كانت تعمل بالقطن، ومن دون القطن تتوقف وقد توقفت للأسف الشديد.
كما أننا ندرك إسهام القطن الكبير في دعم الاقتصاد الوطني على مر العصور، فزراعة القطن في سورية عموماً وفي محافظة الحسكة خصوصاً زراعة عريقة تاريخياً تعود إلى أقدم الحقب التاريخية، حيث كان القطن السوري الشهير ينقل بالمراكب والسفن من حقول المحافظة عبر نهر الخابور وثم نهر الفرات إلى بلاد مابين النهرين، ومنها إلى الخليج العربي وبلاد الهند والسند، وعبر التاريخ تطورت هذه الزراعة وشهدت تحولات مهمة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من التنامي والصعود ومن ثم الانحدار والتراجع.
قـبـل الأزمة
ولكي نكون منصفين وموضوعيين لا يمكن أن نعلق تراجع زراعة القطن في الحسكة على شماعة الأزمة، حيث بدأ التراجع قبل الأزمة، أيضاً نتيجة خطأ استراتيجي وقعت فيه الحكومة تمثل بالسماح بحفر الآبار الارتوازية في حوض الخابور وتحديداً في منطقة ينابيع الخابور في رأس العين بذريعة أن الأتراك في الجانب المقابل على الحدود يقومون بحفر الآبار على قدم وساق وبشكل مائل من أجل سحب الماء من الينابيع الموجودة داخل الأراضي السورية، وما إن صدر القرار من الحكومة السورية بالسماح بحفر الآبار الارتوازية حتى انطلق الحفر على مصراعيه وبشكل عشوائي في منطقة رأس العين حيث نبع الخابور، وكأن المزارعين والفلاحين في سباق، وكانت النتيجة أنه وخلال زمن قياسي تم قتل نهر الخابور كلياً فجف تماماً هذا النهر الذي كانت غزارته تصل إلى 50 م3 /ثا، حيث بدأ الانخفاض بتدفق المياه في النهر في بداية الثمانينيات، وأخذ هذا الانخفاض يتزايد بوتائر سريعة منذ بداية التسعينيات، حتى وصل التصريف السنوي الوسطي لنهر الخابور في موسم 1998/ 1999 إلى 9.82 م3/ثا و إلى 5.93 م3/ثا موسم 1999/2000 واستمر الانخفاض في التصاريف حتى انعدم الجريان الحر من الينابيع كلياً، وتوقف النهر عن الجريان في تاريخ 13/4/2001 ومازال متوقفاً حتى تاريخه.
كما جفت جميع العيون والينابيع المغذية له التي كان يصل عددها حسب ياقوت الحموي وابن حوقل والمقدسي والإدريسي وغيرهم إلى 365 عيناً ونبعاً، أي حسب عدد أيام السنة، وكلها عيون وينابيع عذبة صافية كعين الديك قعرها واضح للعيان رغم عمقها الشديد، وبموت نهر الخابور تم نعي عشرات آلاف الهكتارات من زراعة القطن على جانبي هذا النهر، وذلك لأن القطن بحاجة للماء فهو من أكثر المحصولات شراهة للماء ولا قطن من دون ماء، فتراجعت المساحة المزروعة في محافظة الحسكة من 100 ألف هكتار إلى نحو 70 ألف هكتار، أي إننا خسرنا مباشرة 30 ألف هكتار.
واستمر التراجع لتصبح المساحة المزروعة في موسم 2004 ما مقداره 62 ألف هكتار ولم تتجاوز المساحة المرخصة في موسم 2008 نحو 55 ألف هكتار، وكانت المساحة المخططة في مواسم 2011 وحتى 2014 تبلغ 57 ألف هـ. كانت ترخص وتزرع كلها تقريباً، وكان الإنتاج بحدود 240 ألف طن.
وفي الأزمة
لكن الأزمة قضت على هذه الزراعة وهي التي أطلقت عليها رصاصة الرحمة، فمثلاً عندما استولت المجموعات الإرهابية المسلحة في 2013 على المحلج المنشاري في المشيرفة ومركز الاستلام في الميلبية وأخرجتهما من الخدمة، وهما مركزا استلام الإنتاج في الحسكة أثر هذا المشهد في المنتجين ودفعهم للإحجام عن زراعة القطن، فتراجعت المساحة المزروعة إلى 19 ألف هـ والإنتاج المسوق انخفض إلى 32 ألف طن فقط، وخاصة أن الحكومة أخطأت بمعالجة المشكلة عندما طلبت من المنتجين نقل إنتاجهم من الحسكة إلى حماه على مسؤوليتهم ونفقتهم الخاصة، فكان أن أطاح هذا الإجراء بزراعة القطن برمتها، وهو عكس ما طالبت به كل الجهات المعنية في المحافظة من جهة، ويتناقض مع ما بدأته الحكومة استجابة إلى هذا المطلب المتمثل بإحداث مركز استلام جديد في المحافظة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش العربي السوري، فوقع الاختيار على منطقة الشركة العربية لتنمية الثروة الحيوانية في القامشلي، وحضر وفد فني من المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان ووزارة الصناعة وعاين الموقع وقدم دراسة فنية عن إحداث المركز، لكن هذه الخطوة توقفت هنا ولم تستمر فتبخر حلم إحداث مركز استلام في المحافظة.
ونتيجة ذلك تراجعت زراعة القطن في الحسكة بشكل مريع، مساحة وإنتاجاً، من 240 ألف طن في المواسم الماضية إلى رقم غـيـر مسبوق وهـو 4100 طن فـقـط في موسم 2014، وذلك لما قاسته هذه الزراعة من ويلات خلال هذا الموسم والموسم الذي سبقه على وجه الخصوص، حيث لم تـُحدث الحكومة مركزاً لاستلام الإنتاج في المحافظة وطلبت من المنتجين نقل إنتاجهم إلى محافظة حماه، كما ذكرنا، وهو أمر ليس صعباً فحسب بل هو مستحيل في ظل الظروف الأمنية السائدة على الطرق التي تربط المحافظة بالمحافظات الأخرى، الأمر الذي جعل الساحة مفتوحة على مصراعيها للتجار والسماسرة الذين كانوا يقومون بشراء الإنتاج بالأسعار التي يريدون، ما اضطر العديد من الفلاحين لبيع إنتاجهم بسعر بخس لهؤلاء التجار الذين لم يقم أغلبيتهم بنقل الإنتاج إلى حماه، كما كانت تخطط الحكومة، بل إلى تركيا فكانت النتيجة خسارة الفلاح وخسارة الدولة معاً، أما القسم الآخر من المنتجين فآثر ترك إنتاجه من دون تسويق ما جعله عرضة للعوامل الجوية والسرقة والنهب والحرق من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة وضعاف النفوس، والنتيجة أيضاً خسارة للفلاح والدولة معاً.
نتائج كارثية
ولهذا ضاق الفلاحون ذرعاً وأحجموا عن زراعة المحصول خلال موسم 2015، ويخبرنا معاون مدير الزراعة المهندس علي الخلوف أن المساحة المزروعة بلغت حينئذ 6150 هكتاراً فقط، ويضع المهندس خلوف عدم استلام الإنتاج ضمن المحافظة خلال موسم 2014 في مقدمة الأسباب التي أدت إلى تراجع زراعة القطن بهذا الشكل المريع. ويضيف إلى هذا السبب أسباباً أخرى هي عدم تزويد الفلاحين بمستلزمات الإنتاج (بذار ــ سماد) وارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم توافر الطاقة الكهربائية وهجرة اليد العاملة. وعدم تمويل المنتجين من فروع المصرف الزراعي، إضافة إلى عدم صرف الدعم المخصص لزراعة القطن.
ويؤكد المهندس خلوف أن تراجع زراعة القطن في المحافظة أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والهجرة في أوساط العاملين في المحصول من عمال زراعـيين ومزارعـين ووسائل نقل وورش حمل وعـتالة وغير ذلك، ما أدى بدوره إلى ارتفاع معدلات الفقر وخاصة في الأرياف، وانعكاس ذلك سلباً على الوضع المعيشي لهؤلاء خصوصاً والوضع الاقتصادي في المحافظة عموماً، ولاسيما أن القطن من المحصولات الاستراتيجية في سورية التي تشكل دعامة هامة للاقتصاد الوطني وتأمين قطع أجنبي للبلاد من خلال عمليات التصدير التي تتم سواء للمادة الخام أو المصنعة من إنتاج هذا المحصول.. وهناك نتائج سلبية أخرى خلفها تراجع زراعة القطن من ذلك ارتفاع نسبة الأراضي البور، أو التوجه لزراعة محصولات أخرى أقل أهمية بكثير من محصول القطن، زد على ذلك خروج وتعطل المؤسسات الحكومية ذات العلاقة المباشرة بالمحصول. كالمؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان ومعامل الغزل والنسيج ومعامل الزيوت وغيرها ما أدى إلى زيادة الأعباء على الحكومة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية أدى توقف المحالج عن العمل إلى عدم توفير البذار المعتمد وهو صنف حلب 90 وتالياً توجه الفلاحون والمزارعون لاعتماد أصناف أخرى وخصوصاً التركية أو اعتماد بذار قديم لا يتصف بقدرة إنباتية عالية وغير مضمون المواصفات نتيجة حدوث عمليات خلط وراثي فيه.
خطورة من نوع آخر
ويعد البذار المهرب مشكلة خطيرة تواجه الصنف المعتمد في المحافظة بقدر ما تواجه زراعة القطن بشكل عام، وذلك لأن البذور المهربة مجهولة المصدر والهوية وغير خاضعة للاختبارات التي تتم على البذور التي تنتجها الجهات المعنية، إضافة إلى أن البذور المهربة تشكل مصدراً أساسياً لديدان اللوز والأمراض الفطرية، وهذا الأمر مثبت على أرض الواقع، علاوة على أنها على الأغلب خليط من أصناف ومراحل متقدمة ما يجعلها منخفضة المردود وذات مواصفات سيئة للمنتج.
ولكي ندرك مدى خطورة البذار المهرب على الصنف المعتمد في الزراعة تفيد المصادر العلمية أن إنتاج صنف حلب 90 لم يأت بيوم وليلة أو بكبسة زر وإنما احتاج ذلك إلى جهود كبيرة بذلها مهندسون وفنيون على مدى سنوات طويلة صرفت خلالها أموال طائلة على التجارب والاختبارات قبل وضع الصنف بالتداول، و صنف بذار حلب 90 المستخدم في محافظة الحسكة حالياً تم اعتماده بناء على مقررات مؤتمر القطن الثامن والعشرين عام 1997 وتمت زراعة مرحلة الأساس في قرية واحدة وبمعزل عن حقول القطن الأخرى لتجنب الخلط مع الصنف حلب 40 بغية المحافظة على النقاوة الصنفية وتم تعميمه صنفاً وحيداً في المحافظة منذ عام 2001.
ويمتاز صنف حلب 90 بالمواصفات المورفولوجية والإنتاجية التالية : ‏شكل النبات هرمي، الطول 83¬85 سم، عدد الأفرع الثمرية 12-14 فرعاً، وزن الجوزة 6 غ ‏ــ عمر الجوزة من التشكل حتى التفتح 50 يوماً ــ طول التيلة متوسط، متحمل لمرض الذبول، الإنتاجية 4300 كغ/هـ. ‏
ومن خلال زراعة هذا الصنف تبين أنه غزير الحمل وذو عائد اقتصادي مرتفع (7% أكثر من الصنف حلب 40) ومتحمل للظروف الجوية القاسية (موجات الحر الشديد) التي تعرف بها المحافظة، ويمتاز الصنف بأنه مبكر بالنضج ويتم تفتح نسبة 90% من الجوز خلال القطفة الأولى، ولهذا الأمر أهمية كبيرة في محافظة الحسكة لكون القطاف وجمع الكمية الكبرى من المحصول يتم قبل موسم الأمطار كما يمتاز بنعومة التيلة وطولها ما يجعل القطن المنتج منه مرغوباً في الأسواق الخارجية ومعامل الغزل المحلية التي تقوم بإنتاج نمر غزل رفيعة. ‏
ضد رغـبة الجميع
رئيس اتحاد الفلاحين في المحافظة بشير الصالح أكد بدوره أن عدم استلام القطن في المحافظة والطلب من المنتجين نقل إنتاجهم إلى حماه لم يكن ضد رغبة الفلاحين فقط، وإنما ضد رغبة كل الجهات المعنية في المحافظة أيضاً، وهو ما أدى إلى عزوف المنتجين عن زراعة المحصول وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة ترقى إلى مستوى الكارثة.
ولكي تعود زراعة القطن في الحسكة إلى التعافي وصولاً إلى وضعها الطبيعي يوجز الصالح الإجراءات المطلوبة بالنقاط الآتية:
• تأمين مستلزمات الإنتاج وخاصة البذار والسماد بالكميات والأسعار المناسبة.
• تأمين مصادر الطاقة من مازوت وكهرباء.
• رفع سعر شراء الإنتاج.
• إحداث مراكز لاستلام الإنتاج في المحافظة.
• العمل مع مراكز البحوث العلمية الزراعية لتأمين الأصناف المعتمدة من البذار في المحافظة.
• تأمين مستلزمات وقاية المحصول عن طريق المخابر وتجهيزها لإنتاج الأعداء الحيوية لمختلف الآفات والأمراض التي يتعرض لها المحصول.
aqtini58@gmail.com

print