«كلما خرجنا في مهمة نعتقد أنها قد تكون الأخيرة» العبارة ذاتها يقولها الكثير من الجنود عندما يغادرون بيوتهم ويلتحقون بزملائهم في ميدان المعارك.
العاملون في منظومة الإسعاف يوجدون في الخطوط الأولى مع جنود الجيش، المطلوب منهم التقدم إلى ساحات المعارك أو الساحات التي تعرضت للتفجير، يقتحمونها لإنقاذ حياة من يمكن إنقاذه حتى لو كانوا على يقين بأن هناك تفجيراً آخر قد يدوي في المكان ذاته، ويحولهم إلى أشخاص يحتاجون إسعافاً كما حصل معهم في عشرات المرات.
من تحدثنا إليهم من موظفي الطوارئ أكدوا بلا استثناء أنهم قد يتوجسون عند تلقي طلب المهمة لكنهم في الوقت ذاته يرون أن أرواحهم ليست أغلى من أرواح زملائهم المحاربين، وأن ما يشعرهم بالاضطهاد ليست ظروف العمل ومخاطره بل طريقة التعامل معهم فهم لا يحصلون على حقوق العسكريين ولا يعاملون كمدنيين! بل إن بعضهم قال مازحاً إن لعمال التنظيفات ميزات أعلى بكثير مما يحصلون عليه، فبينما يقتحمون ساحات القتال لإنقاذ حياة جريح أو العودة بجثمان شهيد، تجد أن مشكلاتهم تبدأ من الحصول على وجبة طعام ولا تنتهي عند حرمانهم من طبيعة العمل، علماً أن منحهم إياها لن يفرغ صناديق المالية، وفي المقابل سيحسن كثيراً من ظروف العمل!
منذ سنوات تخوض إدارات منظومات الإسعاف المعارك كي تتمكن من تأمين وجبة يومية لعمال إسعاف يعملون بشكل متواصل طوال العام، وإذا كان هناك من يمضي أيام عطلة، فإن المناسبات والأعياد تتحول إلى عبء عليهم لأن عليهم العمل والبقاء في كامل الجاهزية، أما عند حدوث اضطرابات كبيرة كما حصل أكثر من مرة في هذه الحرب فعلى المديرين قبل الكوادر ملازمة مقرات العمل ليلاً ونهاراً لتلبية المستنجدين بهم.
لكل مهمة يقومون بها ذكرياتها الخاصة، وفي بعضها لا يتوقف الأمر على رواية أحداث شاهدوها، بل أكثرها يترك بصماته على أجسادهم، بإصابات بالغة كخسارة أحد الأطراف أو عين، كما حصل مع نادر علي الذي خسر عينه في إحدى مهماته في جوبر، وبعضهم رحل قبل أن يتمكن من الحديث عما حصل معه.
كان السائق رامي الصالح، والممرض بدر حيدر يتجهزان للخروج بمهمة قبل أن نستوقفهما للتحدث إليهما من نقطة الانطلاق في منطقة الميدان في دمشق، يقول رامي إنه في كل مهمة يخرج فيها لإسعاف المصابين يخبر أخيه بمهمته، ولا ينسى أن يذكره برعاية أطفاله الثلاثة إذا لم يعد.
وعن أصعب المهمات التي ظلت في ذاكرة حيدر أعاد السؤال إلى ذهنه حادثة حصارهم مدة دامت أكثر من ثلاثة عشر ساعة في «منشرة» بمنطقة سقبا، يضيف حيدر أنه اعتقد بأنها ستكون المهمة الأخيرة التي ينفذها قبل أن تصلهم النجدة من جنود الجيش العربي السوري وتعيد لهم الأمل بحياة جديدة.
من اللاذقية
يقول أمجد خضور من طوارئ اللاذقية أنه «بعد المهمة الأولى لم نعد نفكر بمصيرنا عند التقدم إلى ساحات القتال لنقل المصابين…»
من إدلب، وجبل الزاوية إلى الرمل الفلسطيني والحفة في اللاذقية، وهناك تحول أمجد خضور من شخص مسعف إلى مصاب يحتاج الإسعاف قبل أن يصل إلى الجنود الذين جاء لإسعافهم ونقلهم من ساحة المعركة، يضيف أمجد «تصاوبت عند قوس الحفة، رصاصات القنص اخترقت رقبتي وصدري، قدت السيارة بعد الإصابة حتى فقدت الوعي، اعتقدت أني مت، وفي اليوم التالي علمت أن زميلي على السيارة الثانية قد استشهد». خضع أمجد لأكثر من 10 عمليات جراحية، وهو الآن يعيش مع إصابات لن تعالجها العقود المتوالية.
نسأل أمجد عن المشاعر التي تنتابهم عندما ينطلقون لتنفيذ مهمة على درجة كبيرة من الخطورة، فيقول إنهم في البداية كان البعض يتردد عندما يطلب منه تنفيذ مهمات خطرة، لكن بعد فترة «أصبحت أشعر بأن مثلنا مثل عناصر الجيش، ومثل أي شخص قد يكون معرضاً للخطر وهو مسافر أو في الطريق ويتعرض لتفجير، وأكد أن هذا الكلام لا ينطبق على الجميع فهناك أشخاص يرفضون تنفيذ مهمات خطرة، لكن أمجد من بين الشبان الذين ينفذون ما يطلب منهم، وقد نفذ مهمة إلى جبل الزاوية في إدلب، وكانت من أصعب المهمات وأخطرها كما أضاف.
في اليوم والتاريخ
رئيس منظومة الإسعاف قبل عام من الآن د. لؤي سعيد، ومدير المشفى الوطني في اللاذقية يؤكد أن حاجز الخوف ينكسر في الأيام الأولى للمهمات، خاصة عندما يكون أحد أشقاء أو أقارب موظفي الطوارئ من المحاربين، عندها يصبح الدافع أكبر وعدم الخشية من المغامرة في التقدم فقد يكون المصاب أخاً أو أباً.
أضاف د. سعيد: يوجد أشخاص دائماً في حالة جاهزية لتنفيذ المهمات المطلوبة منهم التي قد تستدعي منهم في أحيان كثيرة البقاء عدة أيام في مناطق حربية. يحفظ د. سعيد تواريخ ونوع إصابة عناصر الإسعاف في محافظة اللاذقية بدقة وحالة كل منهم واسمه أيضاً، ويؤكد أن عدد المصابين من منظومته خلال سنوات وجوده بلغ نحو 17 مصاباً، أربعة منهم إصاباتهم بليغة تسببت بعجز جزئي، وأن أكثر من إحدى عشرة سيارة خرجت من الخدمة من أصل الأسطول البالغ نحو 32 سيارة، وتم خطف سيارتين.
تتشابه مشكلات منظومة الإسعاف في كل المحافظات السورية، ويرى د. لؤي سعيد أن خسائرهم الكبيرة تنتج بسبب وصول السيارات للخطوط الأمامية، علماً أن المطلوب من سيارة الإسعاف قانونياً الوصول إلى أقرب نقطة آمنة ونقل المصابين إليها، لكن لظروف الحرب استثناءات كثيرة.
أضاف د. سعيد أن المطلوب منهم تقديمه يفوق المتاح لهم بكثير، خاصة عند حدوث تفجيرات داخل المدن، فالأعداد الموجودة على رأس عملها من ممرضين وسائقين أقل من المطلوب بكثير في محافظة اللاذقية، فبينما المطلوب وجود نحو 200 ممرض، ومثلهم تماماً من السائقين، يتناقص العدد إلى ما لا يتجاوز 65 ممرضاً ونحو 100 سائق، الأمر الذي يجعل من جميع الكوادر في حالة استنفار دائم، وهذا يرغمهم على التغيب الطويل عن منازلهم وممارسة أعمالهم الأخرى وغالباً من دون مقابل يذكر.
من دمشق
كان السائق هيثم بقاعي يمدد قدمه التي أثقلت بعدد كبير من الأسياخ والمثبتات في زيارته لمقر عمله في مركز طوارئ دمشق بعدما استهدفت سيارته المحملة بعدد كبير من المصابين والجثامين من منطقة جوبر.
أكثر من 4 عمليات خضع لها البقاعي، لا يبدو على وجهه سوى علامات الرضا والقبول بمصيره، رغم أن الرجل لم يحصل سوى على مكافأة لم تتجاوز 7200 ليرة تم صرفها بجهود ومتابعة من رئيس منظومة إسعاف دمشق، د. ياسر زهرة، يضيف المصاب البقاعي «لو نعامل فقط كعمال الكهرباء!».
على مدار الوقت
أما السائق صالح كنعان العامل في منظومة إسعاف دمشق فقد كان حظه أفضل لأنه يعمل منذ 27 عاماً في إسعاف المصابين، لكنه لم يتعرض لأذى رغم كل القذائف التي كانت تقصد سيارته في كثير من المهمات، ونأمل ألا يصاب بأذى، يصف عملهم بالعمل الشاق والقاسي، لأنهم يدخلون إلى مختلف المناطق الساخنة حيث يطلب منهم، ويتطلب الأمر، ولأن لعملهم طابعاً إنسانياً، فلا يكون هناك من مجال للتردد كما يقول، ويرى صالح أن هذا واجبه لكنه لا ينسى أن يتحدث عن معاناته الشخصية وتكاليف تنقله من مكان إقامته في القطيفة إلى دمشق التي تلتهم الجزء الأكبر من راتبه، إضافة إلى عدم تقدير ما يقومون به من الجهات المعنية سواء بمنحهم تعويضات أو حتى تأمين وجبة طعام.
غير مرغوبة
رئيس منظومة إسعاف وطوارئ دمشق د. ياسر زهرة يؤكد أن في مدينة دمشق ست نقاط إسعافية فيها 36 ممرضاً وأكثر من 56 سائقاً، ولأن هذا العدد لا يفي بالمطلوب أعلنوا عن مسابقة لقبول 30 سائقاً، لكن لم يتقدم عليها أكثر من 11 سائقاً، ويرى أن السبب قد يعود لطبيعة العمل الخطرة وللميزات المحدودة أو المعدومة.
يتحدث د. زهرة عن إصابات بالغة تعرض لها عاملون في مراكز دمشق فهناك من فقد عينه بتفجير حرستا، وآخرون استشهدوا.
يأسف د. زهرة كيف يعجزون عن تأمين وجبة طعام لموظفين قد يمضون يوماً كاملاً في أماكن ساخنة، يقول السائق رامي إنهم خرجوا من ساعات الصباح الباكر في مهمة وحتى المساء لم يتح لهم الحصول على إفطار لأنهم في منطقة ساخنة لا يوجد فيها من يتسوقون منه، وليس هناك من هو معني بإيصال الطعام لهم.
يضيف د. زهرة أنه في بداية الأحـــداث كان مدير صحة دمشق د. أحمد خليفاوي قد أخذ على عاتقه موضوع إطعام موظفي الطوارئ، فكان في الإمكان إيصال مخصصات لكل منهم وجبة يومية أينما كانوا لكن هذا الأمر لم يستمر، وفي المحافظات كانت بعض الإدارات تمنح العاملين مخصصات جافة من المساعدات الغذائية التي توزع «بعجرها وبجرها» لكن القوانين الجامدة التي لا تجيز ذلك حالت دون حتى تحقيق هذا الأمر، وبدل تعميم الحصة على كل المحافظات تم إلغاؤها عن عمال بعض المحافظات التي كانت وجدت في هذه الوجبات مخرجاً لموضوع الوجبة الغذائية!
نائب رئيس منظومة الإسعاف والطوارئ في دمشق واختصاصي طب الطوارئ د. فؤاد سليمان يؤكد أن مشكلات نقص الكادر، وعمر السيارات الكبير من أكبر المشكلات التي تواجه عملهم، إذ إن أكثرها يعود لأكثر من 25 عاماً، بينما العمر الاقتصادي لسيارات الإسعاف لا يتجاوز عشر سنوات، وأن هناك سيارتين تمت سرقتهما في منطقة برزة بقوة السلاح، وأنه عند حصول التفجيرات مثلاً يتم إرسال سيارة تعاين المكان، ومن ثم تبلغ الكوادر لرفد ومساعدة المناوبين.
للتريث!
إذا كان موظفو الطوارئ يتحدثون بالتقسيط عن مشكلات عملهم ومصاعبه، فإن مدير الإسعاف والطوارئ د. توفيق حسابا يسهب في الحديث عن معاناة العاملين في هذه المنظومة، والمشكلات التي يعانونها بسبب عدم تقدير هذا النوع من العمل الذي يعد من الأعمال الخطرة، فقد سجلت إحصاءات المنظومة استشهاد نحو 19 شاباً، سبعة منهم في محافظة إدلب وأكثر من 64 إصابة، ثماني عشرة إصابة منها في دمشق، تليها حماة فاللاذقية، وهناك ستة مفقودين.
كل هذا الواقع الصعب في يوميات عملهم لا يترافق مع تقديم أي مقابل يذكر، بل حتى أن مشاريع قرار منحهم طبيعة عمل تحفظ لدى الجهات المعنية بعبارة «للتريث» كما أكد د. حسابا.
وضمن ظروف كهذه لن يكون مفاجئاً الحديث عن نقص في الكادر، يؤكد د. حسابا أنه في كل سورية لم يبق سوى 20 طبيباً من اختصاصيي طب الطوارئ، وأن عدداً من أطباء الطوارئ هاجروا لأن طبيعة هذا الاختصاص تجعل من يعمل فيه يعيش بدخل محدود يعتمد على الراتب فقط كموظفي الدولة، ومع محدودية الأجور تصبح شروط العمل غير مغرية، ويؤكد أن نصيب كل محافظة لا يتجاوز الطبيب الواحد إلا باستثناءات محدودة.
وإذا كان هذا حال الأطباء، فليس واقع الكوادر الأخرى بأفضل إذ لا يتجاوز عدد العاملين من اختصاص التمريض والفنيين في كل سورية 524 ممرضاً، بينما الحاجة تفوق الألف فني كما يؤكد د. حسابا، ومنذ نحو أربع سنوات لم يتعين أي من الخريجين لدى المديرية لأن خريجي التمريض لمصلحة منظومة الإسعاف من الذكور وغالباً ما يلتحقون بخدمة العلم قبل مباشرة عملهم.
أما عدد السائقين في المنظومة فلا يتجاوز 618 سائقاً، في حين المطلوب لتغطية الحاجة يفوق الألف سائق. ويعتقد د. حسابا أن السبب يعود لغياب عوامل التحفيز كطبيعة العمل التي تراعي مخاطر عملهم كرديف في المؤازرة والمهمات للقوات العاملة على الأرض، ومتابعة أمر الجرحى والمصابين، وأنه عندما طلبوا زيادة الكادر من السائقين عن طريق الاستفادة من سائقي المؤسسات التي أصبحت خارج الخدمة، تعامل معظم المفرزين من السائقين مع الأمر وكأنه بمنزلة العقوبة لهم.
تدمير الأسطول
كانت سيارات الإسعاف ومراكز الطوارئ من أكثر المستهدفين في هذه الحرب، فقد كان لدى المديرية أكثر من 578 سيارة إسعاف أكثرها مجهز بأحدث التجهيزات، ولكن خلال سنوات الحرب لم يبق لدى المشافي ومراكز الطوارئ سوى 198، وقد حصلت سورية على نحو 124 سيارة إسعاف على شكل تبرعات من دول وأشخاص، حيث تبرعت إيران بنحو 50 سيارة إسعاف، وهناك تبرعات من أشخاص مغتربين كالجالية السورية في تشيلي وأمريكا الجنوبية وسان باولو وفنزويلا وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية، ومن قبل أشخاص كالدكتور مصطفى محجوب في ألمانيا حيث تبرع بنحو سبع سيارات، ومحمد عبد الباقي تبرع بنحو 4 سيارات.
خسرت المنظومة الكثير من سياراتها لأسباب عدة منها: التدمير سواء بالاستهداف المباشر أو بالسرقة والخطف، فقد بلغ عدد السيارات المخطوفة نحو 131 سيارة، وأكثر من 120 سيارة أصيبت بأضرار كبيرة وخرجت من الخدمة، ونحو 70 سيارة مجهولة المصير و11 أخرى مدمرة بالكامل.
وأضاف حسابا أن أكثر المناطق التي تضررت فيها سيارات الإسعاف هي كل من محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، إذ إنه من أصل 40 سيارة إسعاف في محافظة الحسكة لم يبق سوى سيارتين فقط، واثنتين في القامشلي، وفي أحدث جولة قام بها د. حسابا إلى محافظة القامشلي برفقة وفد من وزارة الصحة قال إنه لم يبق في مشفى القامشلي سوى 46 طبيباً بينما الحاجة تفوق 300 طبيب لمستشفى يحتوي على 200 سرير.

ويرى د. حسابا أن سيارات الإسعاف تضررت في كل المحافظات حتى الآمنة منها لأن المهمات التي تنفذها طواقم الإسعاف هي نقل المصابين من المناطق الساخنة كحال الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية، وكذلك مهمات الإسعاف لسيارات محافظة طرطوس تنفذ في كل من محافظتي حمص وحماه.
استنزاف للموارد
رئيس مرآب مديرية صحة دمشق وسام جعفر يؤكد أن الوزارة بأمس الحاجة إلى تحديث أسطول السيارات لأن أغلبيتها قديمة وأعطالها كثيرة، تحتاج إلى صيانة مستمرة، ومرتفعة التكاليف، قد تصل قيمة بعضها إلى أكثر من4.5 ملايين ليرة، وقد تفوق في بعض الأحيان مبلغ 15 مليون ليرة، كما أكد د. حسابا، في حين أن المبالغ المخصصة للصيانة لا تتجاوز 39 ألف ليرة تبعاً لقانون الإصلاح، ويرى جعفر أن الحصول على موافقة إصلاح السيارات تحت بند إعادة الإعمار قد يحررهم من قوانين الإصلاح المعتمدة حالياً والمحددة بمبالغ قليلة، لا تتناسب والأسعار الحالية.
وعن أكثر المحافظات التي تمت صيانة سياراتها أكد د. حسابا أنها محافظة ريف دمشق، وذلك من إجمالي المبلغ الذي تم إنفاقه على إصلاح سيارات الإسعاف والمقدر بنحو 100 مليون ليرة.
لا يمكن تحريكها!
أما الفكرة الأكثر غرابة فهي طريقة التعامل مع مخصصات سيارة الإسعاف من المحروقات، فالمخصص لكل سيارة هو 150 ليتراً شهرياً، وعند نفاده لا يمكن لسيارة الإسعاف أن تتحرك، وهنا تحصل مشكلات من نوع جديد مع عمال الطوارئ، فقد تعرض أحدهم للضرب في منطقة المخرم في حمص لأنه لم يتمكن من تحريك السيارة التي صرفت كل مخصصاتها قبل منتصف الشهر، وكان على العاملين تدارك الأمر بتفريغ ما يوجد في سيارة خاصة ونقله إلى سيارة الإسعاف ليتمكنوا من نقل شخص يحتاج الإسعاف إلى المستشفى. ويرى حسابا أن فكرة استخدام البطاقة الذكية المعتمدة حالياً جيدة، ولكن سيارات الإسعاف تحتاج لاستثناءات يمكن إخضاعها للرقابة والتدقيق.
وكما يبحث القائمون على موضوع الإصلاح والصيانة عن مخرج لتغيير شروط الإصلاح الحالية بفكرة الإصلاح تحت بند قانون الإعمار، كذلك الحال بالنسبة لطبيعة العمل المحددة بنسبة لا تتجاوز 3%، ويرى حسابا أن هذه النسبة غير منطقية، وأن تغييرها أمر ضروري، ويرى أن القوانين ليست نصوصاً مقدسة، وإنما يجب تعديلها بما يتناسب مع المتغيرات.

يســتشـهد د.حســابــــا بواقـع العمل في مستشفى الأمراض النفسية ابن سينا، إذ إن الكادر الطبي كان يصف قرار فرزهم إلى المستشفى بالعقوبة، ولكن في الحال اختلفت الرؤية بعدما تم رفع نسبة طبيعة العمل إلى 85%، ولكن ما يحصل الآن أنه بعد رفع التعويضات لاختصاص فنيي التخدير أصبحوا يتقاضون مبلغاً يفوق ما يحصل عليه زملاؤهم العاملون معهم على سيارات الإسعاف عند القيام بالمهات ذاتها، ويقترح د. حسابا المساواة في المعاملة عن طريق منح مكافأة شهرية كحد أدنى لعمال الطوارئ بناء على تقييم الأداء في العمل الميداني.
لكل تفصيل مشكلاته
إذا كان صرف التعويضات مشكلة فإن الحصول على وجبة غذائية مشكلة يومية تظهر فيها طريقة التكلس في التعامل مع القوانين عندما لا يكون لأحد مصلحة في اختراقها.
ليس لعمال الطوارئ وجبة غذائية كما العاملون في المشافي، ولعلاج هذا الأمر تم تخصيصهم بحصة من المساعدات الغذائية، ولكن حتى هذه الميزة لم يحصل عليها الجميع في كل المحافظات، وعندما طالب بقية العاملين بمعاملتهم بالمثل مع من يحصلون على هذه الحصة جاء القرار بمنعها عن الجميع لأن القوانين لا تسمح.
كان موضوع حصول عاملي الطوارئ على وجبة غذائية من بين القضايا التي احتاجت الكثير من المقترحات والدراسات، فكان من بين المقترحات أن يحصلوا على وجبة من الطعام المخصص للمشافي، ولكن تبين أن هذا الأمر غير ممكن على أرض الواقع، لأن من ينفذ مهمة على أطراف مناطق حدودية أو في مناطق ساخنة لن يتاح له الوصول إلى أقرب مستشفى والحصول على وجبة، ومن بين المقترحات أيضاً إيصال وجبة سواء من المشافي أو على شكل «سندويتشات» إلى أماكن وجود العاملين في سيارات الإسعاف، ولكن تبين أيضاً أن هذا الأمر غير ممكن لأن الوصول إليهم ليس بالأمر اليسير دائماً، يضيف رئيس منظومة الإسعاف أن بعض النقاط توجد في المناطق الحدودية أو الساخنة ويمكن أن تكون سيارة الإسعاف على الحدود بين السويداء ودرعا أو في منطقة تبعد مسافة لا تقل عن 125 كم عن المدينة، ويتساءل: هل يعقل أن يأتي عامل الإسعاف إلى المدينة لأخذ وجبته؟.
وهكذا يصبح على كل عامل في الطوارئ أن يتدبر أمر الحصول على وجبته بطريقته الخاصة وعلى نفقته الخاصة أو يمضي يومه جائعاً ريثما يعود من مهمته إذا كان سليماً معافى ويمكنه تناول طعامه.
من القضايا غير المنصفة لعمال الطوارئ موضوع اللباس، حيث يظهر موظفو الإسعاف في الهلال الأحمر بلباسهم الرسمي الذي يميزهم في ساحات العمل، على عكس عمال الطوارئ في وزارة الصحة الذين لايمكن تمييزهم غالباً عن المدنيين الموجودين في ساحات التفجير أو غيرها، يؤكد د. حسابا أن عليهم شراء ملابسهم الخاصة على نفقتهم، علماً أنه يحق لهم الحصول على لباس سنوي بتكلفة لا تتجاوز قيمتها 3 آلاف ليرة.

print