لعلّه الحنين إلى قراءات الماضي، هو من أعادني إلى «فرانز فانون»، صاحب كتاب «معذّبو الأرض»، أنشودة الشّعوب الطّامحة للحرّيّة والعدالة وكَسْرِ الأصفاد! هكذا لبث في ذاكرتي يوم أقرؤونا صفحاته في المرحلة الثانويّة، ومن عجَبٍ أنّ الذّاكرة تُخلي الكثير من حجراتها الدّقيقة وتُبقي فيها الشّيء اليسيرَ، القليل، فقد انطوت صفحات الكتاب مع ما انطوى من قراءات يصعب عليها أن تحتفظ بتسجيلاتها زمناً طويلاً، لكنّ العنوان بقي راسخاً كمَعْلمٍ من معالم الطّبيعة، وكيف يُنسى وفيه هذه الصّياغة؟ «معذَّبو الأرض»؟ فهذا زمنهم، ونحن فيه ومنهم! وإذ ذهبتُ إليه أستعيده، وقعْتُ على شيء آخر، شيء لمستُ أنّه أكثرُ راهنيّةً وأدعى للتّأمّل!.
سمة «فرانز فانون» الحسْم والجزْم والقطْع واستخدام أسلوب الإثبات، هو الأسود ابن جزر المارتنيك الخلّابة، مستَعْمَرةِ فرنسا التي وضعت عليها يدها بمن فيها من سكّان هم بقايا عبيد أفريقيا وهنود القارّة الأمريكيّة! وجد الفتى نفسه يحمل جنسيّة البيض وغادر الجزيرة في الحرب العالميّة الثّانية، على متن زورق كي لا يبقى تحت حكم جنرال فرنسيٍّ عميل للنّازيّة وانضمّ للقتال مع قوّات الجنرال «ديغول»… ليبدأ باكتشاف هويته الزّائفة والعنصريّة التي عومل بها وهو يدرس الطّبّ النّفسيّ في جامعة «ليون»، وكذلك احتلال بلد عربيّ اسمه الجزائر!.
تفاصيل حياة «فانون» معروفة حين غادر إلى مشفى الأمراض العقلية في «بليدة» الجزائريّة وكيف أصبح فيلسوف ومنَظِّرَ الكفاح الجزائريّ وصار رئيس تحرير صحيفة «المجاهد» التي صدرت في تونس بعد نَفْيِه إليها، فسفيراً للحكومة الجزائريّة المؤقّتة في غانا! لكنّ الوقفة المتأمّلة، هي حين اكتنز بالتّجارب وكتب عن «المثقفين» ومواقفهم من أوطانهم حين تشتدُّ عليها الأعاصير! أولئك الذين يتعلّمون لغة المستعمر وثقافته، وحين يهتزُّ عرش الاستعمار بمقاومة الشّعب ومطالبه، لا يجدون غضاضةً في الوقوف على الحياد وبمسافة واحدة بين المقاومة والسُّلطة الاستعماريّة، هذا إذا لم يعلنوا رفضهم للتّخريب والهمجيّة، ثم يصبحون بنوعٍ من البهلوانيّة، طليعة المفاوضين لإيجاد حلول سلميّة ، يطرحونها، لا لمصلحة الشّعوب بل لمصلحتهم وخوفاً من فقدان فتات هذه المصالح! ولمس «فانون» تلك الشّكلانيّة التي تصيب المثقّفين حين يعودون إلى بعض ما قرؤوه من نظريّات سمّاها: «ما ليس له وجودٌ راهن»، وهي في الواقع فضلاتُ الفكر، الجثث الميتة، المعرفة المحنّطة! و يقول جازماً: المعركة ليست كتاباتٍ وأفكاراً فقط، بل هي معركة أبدان! معركةُ تخندُقٍ في صفوف الشّعب! معركة تستحقُّ، من الجميع، أن يقوم بها في كلِّ الميادين!
توهّمتُ أن «بول جونسون» تفرّد بتحليل المثقّف بطبقاته النّفسيّة المعقّدة والمركّبة والمتناقضة حتّى لم يُبْقِ زيادةً لمستزيد، كما درَجْتُ على الاعتقاد أنّ «تشي غيفارا» هو أيقونة النّضال الأمميّ التي لا تُنافَس، لكنّ «فانون» نهض من الظلّ، ليعيد ترتيب بعض أفكاري في كلّ شيء، عدا أولئك «المثقّفين» الذين كانوا طليعةً في تدمير وطننا السّوريّ، بل وتقدّموا في ذلك جموع الإرهابيين المحلّيّين والمستورَدين، في القتل والتّدمير والذّبح والتّكبير..

print