يزعجنا كزبائن، إلحاح سقاة المقاهي في الوقوف بجانب الطاولة بعد دفع الفاتورة في سبيل الحصول على الإكرامية، كذلك كثرة المشاحنات والمشاجرات التي تحصل في محطات الوقود بين أصحاب السيارات ومن يسمونهم (عامل الفرد) في إشارة إلى العامل الذي يتولى عملية التعبئة، بسبب نقص في الليترات الظاهرة على شاشة الآلة عن الكمية المطلوبة. لكن ما لا يعلمه الكثيرون، هو أن هذه الإكرامية هي وارد الساقي الشهري، وأن سرقتنا الموصوفة في محطات الوقود، هي أيضاً وارد عامل (الفرد). تشرين جالت على عدد من المطاعم، والمقاهي، ومحطات الوقود، وعادت بالمعلومات الآتية:
عمال المقاهي بلا حقوق
يقول أحد السقاة في مقهى دمشقي مشهور – نتحفظ على ذكر اسمه حفاظاً على رزقه – إن أجره الشهري الثابت لا يتجاوز أربعة آلاف ليرة، أي أن مصيره ومصير أسرته متعلقان بالإكرامية التي يمنحه إياها الزبون.
ويضيف أن الموضوع لا ينتهي هنا، بل إن الإكراميات التي يحصل عليها السقاة، يُخصم منها مبلغ خمسين ليرة من كل ألف ليرة تقريباً، لتذهب إلى صانع المشاريب الذي يدعى بالـ (بوفجي)، الذي لا يحصل على الإكراميات من الزبائن لعدم احتكاكه بهم لكونه يعمل داخل المطبخ، موضحاً أن هذا حال ما يقارب 90% من عمال المقاهي الشعبية، حتى التي لها تصنيف من قبل وزارة السياحة.
محمد علي مستثمر أحد المقاهي، يقول إنه يمنح عماله الحد الأدنى من الأجور الذي يحدده قانون العمل، أي ما يقارب 14 ألف ليرة فقط، ويعتمدون في تحصيل بقية رزقهم من إكراميات الزبائن التي يمنحون منها «بطيب خاطر» قسماً للـ (بوفجي) ولناطور المقهى الليلي. وعند سؤاله عن التأمين على العمال، قال إنه يؤمن على المنشأة وليس على العمال، لكن في حال وقوع أي حادث مع أحدهم، فإن إدارة المقهى تتدخل، قائلاً: (الله بيعلم).
المطاعم أخف وطأة
سامي علي- مدير أحد المطاعم في حي أبو رمانة، والذي يمتلك – بحسب قوله – 13 عاماً من الخبرة، اكتسبها في العمل في مطاعم كثيرة، قال: إن الفرق الأساس بين المطاعم، يكمن في تبعية ملكية المطعم، فالمطاعم التي تتبع لشركات كبيرة، وشركات إطعام، تتعامل مع العامل باحترام كبير، ولا تضيّع حقوقه أبداً، ضارباً مثلاً عن المطعم الذي يديره، حيث للعامل أجرٌ شهري جيد وثابت، يضاف إليه الإكراميات التي يحصل عليها من الزبائن، إضافة إلى تأمين صحي لعماله المسجلين في التأمينات الاجتماعية. يضيف سامي أن هذه الميزات التي يتمتع بها العامل تحرص عليها الشركة لأنها حريصة على سمعتها في السوق، ولأنها بهذه الميزات تحافظ على العامل، وتستفيد من خبرته التي اكتسبها في العمل، خاصة في ظل النقص الواضح في العمالة الذي تعانيه البلد بسبب ما فرضته الحرب من موت وهجرة، إضافة إلى الدعاية الجيدة للمطعم، ويختم بأن هناك الكثير من المطاعم التي تتلاعب بالرواتب، والسبب هو ملكيتها من قبل شخص واحد، يحدد السياسة التي يريدها، وقلة الرقابة عليها.
سعيد التكريتي- مدير ومالك مطعم في حي الشعلان، يقول إنه لا يتدخل في موضوع الإكرامية التي يحصل عليها العامل، لكن العمال في مطعمه فئات، فمن يدعى بـ (كابتن الصالة) إضافة إلى الشيف، يوقعون مع إدارة المطعم عقوداً تتضمن أجراً شهرياً معقولاً، إضافة إلى تأمين صحي، أما عمال الصالة وعمال التنظيفات فلا عقود لهم، وأجرهم بسيط، لذا يعتمدون على الإكرامية. وكثيرة هي المطاعم التي توقع مع عمالها عقوداً للعمل، لكن العقود الموقعة، هي المعروفة باسم عقود الإذعان، أي أنها استقالة مسبقة، بمجرد أن يريد صاحب المطعم فصل العامل، يقوم بتوقيعها وطرده فوراً بلا أي حقوق.
محطات الوقود سرقة في وضح النهار
م.أ عامل سابق في محطة وقود، يقول وبمنتهى الصراحة: إضافة إلى الإكراميات التي كنا نحصل عليها من الزبائن، والتي يتركونها لنا بطيب خاطر، كنا نسرقهم عبر التلاعب بعدادات آلات ضخ البنزين والديزل. وتعد أزمات شح الوقود التي يتعرض لها البلد في بعض الأحيان، الموسم الأهم والأفضل لنا، حيث نحصل من أصحاب السيارات على مبالغ إضافية للتلاعب بالدور، أو لزيادة الكمية المعبأة عن الكمية المحددة.
وعند سؤاله: ألا ترى أن السرقة أمر غير أخلاقي قال: بلى هي أمر غير أخلاقي، لكن أيضاً من غير الأخلاقي ألا يعطيني مالك المحطة أو مستثمرها أجراً شهرياً، وإن توقفت عن سرقة الزبائن، سنموت أنا وأولادي من الجوع.
مقاهي ساروجة.. وضع مختلف
ولاة يوسف صاحب أحد (الكافيهات) في منطقة ساروجة، يقول إنه يمنح عماله الحد الأدنى من الأجور، لكنه لم يحدد كم هو هذا الحد الأدنى، مرجعاً السبب إلى حالة العمل، حيث يقل الأجر في حال كان العمل جيداً والزبائن كثر، لأنه في هذه الحالة سيحصل على إكراميات كثيرة، والعكس صحيح.
أما عن حقوق العامل التي تفرضها عقود العمل، فهي غير موجودة حسبما أكد يوسف، وذلك لعدم وجود عقود عمل أساساً لكل عمال مقاهي ساروجة، والسبب أنها منطقة مخالفات، وكل المنشآت فيها غير مرخصة، وتالياً، فهي لا تخضع لرقابة من الدولة.
لم نحصل على إجابة!
حاولنا نقل معاناة هؤلاء العمال ومعاناة المواطن الناتجة عن معاناتهم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية للحصول على أجوبة شافية، أو حتى غير شافية، لكن لم نحصل على أي إجابة، لأن الموظفة المخولة بالرد على أسئلتنا – لاحظوا أن موظفاً واحداً فقط في كل الوزارة يستطيع الإجابة عن أسئلتنا – كانت في إجازة، وبعد انتهاء الإجازة انشغلت أيضاً ولم نستطع مقابلتها بعد حوالي عشرة أيام من تقديم الطلب.

print