لم ينتج عن «جنيف 7» مخرجات جوهرية تشي بأن ثمة تقدماً تم إحرازه إلا ما أعلنه ديمستورا حول جولات عديدة ستعقد في الأشهر القادمة قبل نهاية العام, فهل يسعى المبعوث الدولي إلى الإبقاء على فعالية جنيف مستمرة, ولو بحالة ليس فيها من علامات الحياة, إلا بعض الدردشات التقنية حول الدستور, وبعض التصريحات. وهل يهدف ديمستورا من وراء الإبقاء على جنيف, أن يكون حاضراً عندما تنضج الحلول البديلة, والتي يقال إنه بدئ الإعداد لها بعيداً عن الأضواء؟.
قبل كل شيء, هناك إجماع على أن جنيف وبعد سبع جولات لم يحقق شيئاً جوهرياً حتى الآن, وبات من الحقائق أن الكثير من معطيات الواقع العسكرية والسياسية تغيرت تغيراً كبيراً, الأمر الذي يؤكد إلى جانب عدم تقدم جنيف, ضرورة اجتراح مسار سياسي للحل, يتوافق مع المعطيات الجديدة للواقع الميداني, ومع التغيرات السياسية الإقليمية والدولية.
وبينما غرقت «المعارضة» في أوهام القفز إلى كرسي الحكم, بدعم خليجي تركي فرنسي يستخدم الإرهاب التكفيري والحصار الاقتصادي الإرهابي ويبث الإعلام المضلل, ويطرح المبادرات السياسية الداعمة للإرهاب. بينما غرقت «المعارضة» بأوهام القفز على كرسي الحكم, عملت الدولة السورية على قهر الإرهاب التكفيري, وكسرت فصائله وعلى رأسها «داعش» و«النصرة», واستعادت معظم المناطق السورية المهمة والمؤثرة, لتكون نقطة استناد لاستعادة كل ذرة من التراب السوري, وبالتوازي مع الحرب على الإرهاب استمرت مؤسسات الدولة في عملها بشكل منتظم لحماية ورعاية وتقديم الخدمات لكل فئات الشعب, وأيدت الدولة وشاركت في كل فعالية تطرح للحل من دون أوهام, ومن دون الغرق بجدالات لا تنتج شيئاً, وحذرت الدولة مراراً عن تحقيق نتائج في جنيف, ومن أوهام «المعارضة» التي لن تؤدي إلى أي حل.
وبالتوازي مع الدعم العسكري الروسي الذي ساعد السوريين على كسر الإرهاب, فإن التعاون السياسي بين موسكو ودمشق قام على بصيرة سياسية تتعامل مع الواقع و حقائقه, واستناداً إلى هذه الحقائق، موسكو ودمشق, وبالتنسيق الدقيق على السعي إلى مسار سياسي للحل, يحقق الاستقرار والسيادة ووحدة سورية أرضاً وشعباً ومؤسسات, ومن الواضح أن ما طرحه الرئيس بوتين في مؤتمره الصحفي السنوي الأخير, عن مبادرة جديدة للحل في سورية يكون فيها للجيش مساحة واسعة وتشارك جميع أطياف الشعب السوري فيها, من الواضح أن هذه المبادرة التي طرحها بوتين هي جزء من التعاون الوثيق مع دمشق.
هذا التعاون الذي جعل مباحثات بوتين مع ترامب على هامش قمة العشرين تنتج اتفاقاً على إنشاء منطقة تخفيف توتر في جنوب سورية والذي قال ترامب إنه سيكون النموذج لما سيعمم على جميع الأراضي السورية.
وكان واضحاً للجميع حضور دمشق في تفاصيل هذه المفاوضات ونتائجها ولو بشكل غير مباشر, وهذا ما جعل الخبراء الأمريكيين يعترفون بأن ترامب في اتفاق الجنوب حاور وتعاون مع دمشق ولو بشكل غير مباشر وعبر الرئيس بوتين. وهي خطوة من التعاون ربما تتطور بناء على فكرة قالها ترامب مراراً وتؤكد أن الرئيس بشار الأسد والجيش العربي السوري هما القوة الأساسية التي تحارب الإرهاب في سورية.
كذلك ما حصل مع ماكرون, فمنذ لقاء بوتين معه في فرساي, غيّر الرئيس الفرنسي عقيدة باريس تجاه سورية, معلناً أنها تتراجع عن وضع شروط مسبقة للحل السياسي في سورية وأن «تنحي» الرئيس الأسد لم يعد شرطاً مسبقاً وبالأمس في مؤتمره الصحفي مع ترامب في ذكرى تحرير الباستيل, أوضح أن بلاده أخطأت بإغلاق سفارتها في دمشق العام 2011 وأنه لا بد من التعاون مع الرئيس الأسد للوصول للحل السياسي ولمحاربة الإرهاب.
ومن الوقائع التي ساهمت في نجاح مساعي الرئيسين الأسد وبوتين إنضاج مبادرة للحل السياسي أولاً انكسار مشروع الإرهاب التكفيري في المنطقة, ونكوص رعاته الخليجيين للانقضاض على بعضهم البعض, وتحول المسار التركي للتعاون مع روسيا, إنقاذاً لأمن تركيا واستقرارها, كذلك فإن شبق «المعارضة» لكرسي الحكم جعلها تتعامى عن جوهر المشاريع الغربية التركية الخليجية الصهيونية ضد سورية هذا إذا لم تكن أساساً مع هذه المشروعات, والمصيبة أنها – «المعارضة»- مازالت تتجاهل أن أصحاب المشروع الأصليين ضد سورية, الذين هم أمريكا, فرنسا, تركيا, الخليج إما سلموا للوقائع والحقائق, وإما انتكسوا ليحاربوا بعضهم بعضاً.
وفي هذه الأجواء ثمة أسئلة تطرح نفسها، منها:
ألم يشر ترامب إلى أن الإدارة الأمريكية بالتعاون مع روسيا تعمل على حل سياسي؟! ألم يكمل ماكرون هذه الفكرة بأن العمل جار على مبادرة عملية للحل السياسي في سورية؟.
وهل يغيب عن أحد أن كل ذلك, أساسه الذي يقوم عليه هو المبادرة التي يقال إن بوتين حملها إلى ترامب وماكرون, ورسخها مع تركيا, وأبلغها للخليج إنها المبادرة التي ينضجها بوتين مع الأسد, وتلتف حول حقائقها القوى المؤثرة – ربما هذا ما جعل ديمستورا يقول في إحاطته قبل عشرة أيام أمام مجلس الأمن- إنه ينتظر لحظة ينعقد فيها مؤتمر سوري حقيقي للحل.
Fouad.sherbaji@gmail.com

print