فنان بالفطرة، أزهرت البذور الفنية لديه منذ الطفولة المبكرة، عشق الطبيعة بكل مكوناتها وتفاصيلها، فأهدته الإبداع في مجال النحت، وراح ينقش قصصه وأشكاله وأفكاره وأحلامه على أحجارها وأخشابها.
«تشرين» كانت حاضرة في المعرض الذي أقامه الفنان زهير خليفة مؤخراً في صالة عامر علي للفنون في جبلة، الذي عرض فيه مجموعة كبيرة من أعماله النحتية على الخشب والحجر بأحجام كبيرة ومتوسطة وصغيرة، التي تلخص تجربته الفريدة في مجال النحت الذي دخل عوالمه من دون دراسة، فالخوض في غمار التجريب والجرأة في تناول المجهول أكسبه خبرة في مجال النحت، وهذا ما يعكس مدى تطور ثقافة الحوار لدى الفنان خليفة، فالنحت يحتاج حالة حوارية عالية بين الكتلة والفراغ، فكلما كان الحوار عميقاً خرجت نتائج وأعمال فنية عالية المستوى.
الطبيعة مدرسة
لم يتلقَ الفنان زهير أي تعليم أكاديمي بالفن ولم يتبع أي دورات خاصة بمجال النحت، فالظروف والمؤثرات المحيطة كان لها الدور في خلق الحس الفني لديه حول هذه النقطة يقول: «الطبيعة مدرستي الحقيقية علمتني النحت والفن وهي مصدر كل أحلامي وتطلعاتي»، علماً أنه لا يملك أي جذور وراثية في مجال الفن، كان لديه في الطفولة ثورة حقيقية داخلية ونشاط مفرط لم يلق الاهتمام من الوسط الذي يعيش فيه بل على العكس كان له نصيب من الرفض والقمع، فكان السبيل له لتفريغ النشاط الزائد صنع أشكال من التراب أو الطين أو الأحجار والإسمنت.
يرى الفنان خليفة أنه بسبب عدم الدراسة الأكاديمية للفن وللنحت بشكل خاص كان لا بد له من الحوار مع كل المواد الموجودة من حوله في الطبيعة ليكتشف مكوناتها وخصائصها وإمكاناتها ومرونتها وقابليتها للعمل، فكان دائماً يستهويه تجريب أي مادة حباً في الاكتشاف والمعرفة، واستقر في نهاية المطاف على الخشب والحجر، يقول: «الحجر هو الأساس وهو سيد الديكور والفن وقيمته الفنية عالية جداً».

وحي المكان
أغلب المواضيع التي تناولها خليفة هي من وحي المكان، فهو يعيش في منطقة بيت ياشوط في ريف جبلة وهي منطقة رائعة الجمال وذات طبيعة خلابة وساحرة تتمتع بمكونات وكنوز غنية من الجبال والصخور والغابات الجميلة والنباتات المختلفة والمتنوعة والهواء العليل وهذا ما كان له الأثر في خلق الإبداع لدى الفنان ومن كثرة تعلقه بالمكان أحس أنه توحد مع الطبيعة وأصبح قطعة منها، لذلك تنوعت أعماله في وصف ما حوله كالأنثى بتجليات وأشكال عديدة والمرأة الريفية والأمومة والحطّاب والراعي والطفولة البائسة..وغيرها من المفردات المكانية والاجتماعية وما يخص العادات والتقاليد.
تحتل الأنثى الحيز والفضاء الأكبر من أعمال المعرض نظراً لمدى أهميتها، ويرى الفنان خليفة بأنه رغم ظلم بعض المعتقدات الخاطئة للأنثى لكنها تبقى هي الأصل والقادرة على العطاء، فالمرأة هي الأم، هي الحياة والأرض وهي العطاء والتجديد والاستمرارية والخصوبة.. فكل الأعمال التي قدمها فيها ارتباط بعنوان المرأة هو نوع من التقدير والاحترام لما تشكل من رمزية كبيرة في الحياة.

إرادة
استمر الفنــان في النحت أكثر من 15 سنة وهو يستخدم الإزميل والمطرقة، ولم يكن يدري أن هناك عدداً خاصة للنحت، وبعُدَده البسيطة استطاع أن يقدم تجربة فنية فريدة في مجال النحت، وأن يخلق تحفاً فنية غنية باعتراف الكثير من الفنانين والنحاتين خاصة، الذين استغربوا من هذه الإنجازات بعدده البدائية، ويرى الفنان خليفة أن العدد الحديثة والمتطورة اختصرت الوقت وسهلت العمل لكن في النهاية تؤدي إلى النتيجة المهمة نفسها وهي هو إرادة الفنان في الوصول إلى الهدف و تحقيق الشكل الذي يريده.

يقول خليفة إن ثقافة وإرادة النجاح كانت تجعله يستمر في العمل فترات طويلة من دون أن يشعر بالزمن مهما استغرق العمل من وقت وجهد، كان يصل إلى 14- 15 ساعة عمل متواصلة من النحت من دون كلل أو ملل واضطر كثيراً للعمل على ضوء الكاز أو ضوء الشمعة.
رسالة
شارك الفنان خليفة بعدة معارض في دمشق وطرطوس ومعرضه المقام حالياً هو المعرض الفردي الأول وقد لاقى حضوراً مميزاً من الوسط الفني والجماهيري، ويريد خليفة من خلال هذا المعرض كما يصف: «إيصال رسالة تقول إن في مجتمعنا السوري طاقات ومواهب لديها قدرات كبيرة للعمل ويجب أن تأخذ فرصتها وأن يترك لها الحرية في العمل من دون ممارسة أي ضغوطات ومن دون وضع العصي في الدواليب».. ويضيف: هذه الإمكانات ستقدم منجزات ذات فائدة كبيرة للمجتمع والبلد.
atefafiif@gmail.com

print