اعتُبِر تأسيس المسرح القومي في دمشق في مطلع ستينيات القرن الماضي قفزة نوعية في تاريخ المسرح السوري، حيث انتقل المسرح من مرحلة الهواية والنوادي الخاصة والتجمعات المرتجلة وتناول مسرحيات شعبية ذات طابع كوميدي إلى مرحلة الاحتراف والاعتماد على الأكاديميين في مجال الإخراج كمرحلة أولى وتناول نصوصاً من الأدب المسرحي العالمي.
والواقع أن المسرح القومي في دمشق تمكّن من ترسيخ جذور ثابتة من حيث تكريس الفن المسرحي كفنٍّ ملتزم وحيوي في حياة الناس الذين كانوا يتقاطرون إلى صالات المسارح ليتابعوا نجومهم المفضَّلين، حيث كان نجوم التلفزيون هم أنفسهم نجوم المسرح، الأمر الذي وفَّر للمسرح قاعدة شعبية قلَّ أن تكررت في مراحل لاحقة.
وفي ضوء النجاح الذي حققه مسرح دمشق القومي كان لا بد من استنساخ التجربة خارج حدود العاصمة فوقع الاختيار على مدينة حلب لاحتضان مسرح قومي يلم شمل فنانيها الذين كانوا متوزعين على العديد من التجمعات والفرق الخاصة، فكان أن حقق مسرح حلب القومي حضوراً شبيهاً بما حققه مسرح قومي دمشق, وإن كان كمّ العروض قليلاً بالقياس إلى كمِّ عروض المسرح القومي الرئيس في دمشق.. ولِيَلِي ذلك تكرار التجربة بعد سنوات في اللاذقية وطرطوس ومن ثم في سنوات لاحقة في حمص وحماة والحسكة وإدلب والسويداء، وها هي فرق المسرح القومي في المحافظات لا تستكين لظروف الأمر الواقع من مادية وغيرها فتقدم بين الحين والآخر أعمالاً مسرحية لجمهورها المتعطش للعروض الجادة والجماهيرية في آن، وإن كان مسرح قومي اللاذقية هو الأنشط اليوم خارج حدود العاصمة فإن المسارح القومية في بقية المدن لا تألو جهداً في سبيل الاستمرار، فإذا كانت فرق المسرح القومي في حمص وحماة بحاجة إلى دفعة تشجيعية عاجلة فإن مسرح السويداء القومي يمضي قدما في تقديم أعماله لجمهوره، فها هو قد انتهى مؤخراً من تقديم عمل مسرحي عنوانه «الكابوس» للمخرج سمير البدعيش وتمثيل نخبة من فناني المسرح في المحافظة، وقد أتى هذا العمل استكمالاً للمسعى الذي بذله مسرحيو السويداء بالتنسيق مع مديرية الثقافة فيها لجعل العام الماضي عاماً للمسرح في مدينة السويداء فكان أن أقيم مهرجان السويداء المسرحي الأول برعاية من وزارة الثقافة وبصيغة تعاون مثمر بين مديرية المسارح ومديرية ثقافة السويداء .
فإذا اتجهنا اليوم ساحلاً طالعتنا مسرحية للأطفال في مسرح اللاذقية القومي بعنوان «حسن وحسنة» لرشاد كوكش كاتباً وفايز صبوح مخرجاً، ولا ننسى بالطبع النشاط المستمر للمسرح القومي في الحسكة.
هي إذاً جهود تُبذَل للارتقاء بأداء فرق المسرح القومي في المحافظات، على أمل تفعيل هذه الفرق في المدن التي تحول عقبات, قد تكون طارئة, دون استمرار مسيرة المسرح القومي فيها، خاصة بعد أن عاد الاستقرار ليزيّن بقاعاً شاسعة من ربوعنا.

print