علينا دوماً أن نقول للحزن «شكراً»، علينا أن نتحمّل منّة القسوة التي تستمر بمضغ أحلامنا وبصقها بعيداً، لتمرّ أمامنا كشهبٍ مضيئة، ترسم ابتسامةً خافتة سرعان ما تخبو مع انطفاء البريق في عيني الغد؛ شيئاً فشيئاً نشعر أننا طين هذه الأرض وأن هذه الظروف ليست أكثر من نحاتٍ بارع يتفنن بصناعة ملامح جديدة لنا، ولنتاجنا الفني والأدبي، فهل من مرآةٍ أوضح للمجتمع من نصٍ أدبي، شعراً كان أم نثراً أم عملٍاً فنياً، أو ربما فكرةٍ جديدة تحمل فوق ظهرها متطلباتٍ لم يألفها السابقون وربما لن يعرف قيمتها اللاحقون، فنحن اليوم فوق الشَّعرة التي تصل الحياة بالموت، نتوازن بمهارة غير مسبوقة، لدرجة أننا اعتدنا الحياة هناك، نأكل، نشرب، نحتفل، نعمل، ننام ونصحو ونقوم بكلّ ما نحتاجه لنستحق لقب أحياء.
هذا الحديث ليس مقدمةً لاستعراضٍ عن أدب الحرب، هذا المصطلح الذي يلصق بكلّ عملٍ نفّذ خلال السنوات السبع الماضية، كطابعٍ ممل لم يعد يغري أحداً بتأمل رسمته الصغيرة؛ ما استدعى جمال الحزن هو قراءتي قصائد من اللانداي بتعريب من د.عبد الله أبو شميس ، واللانداي لمن لا يعلم، كلمة في لغة البشتو تعني «الموجز»، وهو شعرٌ شعبي قصير تكتبه النسوة في أفغانستان ويتداولنه من دون أن يُحفظ حقٌ لقائلته، بسبب تمرده على القيود المفروضة بالبيئة الأفغانية، فنجد المرأة الساكنة داخل النص جريئة جداً وعاشقة قلّ نظيرها؛ لذا إن صرّحتْ عن اسمها لكان انتحاراً من كلّ بدّ، وهذا ما حصل للشاعر «سعيد بهو الدين مجروح» الذي جمع هذه القصائد فكان الاغتيال بانتظاره على يد الجماعات المتطرفة1987… كلّ نصٍ من هذه النصوص يحمل من الجمال والألم ما ينخرُ في القلب؛ هنا عدة نصوص سأتركها لتمرّ أمام عيونكم وتنحفر عميقاً في ذاكرتكم، ستبتسمون لجمالها وستقولون للحزن «شكراً»، لكنّ الغصة لن تفارق أرواحكم وأنتم تستحضرون الأسى الذي خلق هذه الكلمات، وكمية الحزن التي ذبحت قرباناً للحظة فرحٍ تتبع الكتابة ثم تتلاشى، بعد أن يعود الواقع ليفرض شروطه.
• كن شجاعاً! أنا ها هنا/ غصنٌ يانعٌ/ وعلى كتفيك انحنى.
• غامر برأسك إن أردتَ عناقي/ أو دع طريق العشق للعشّاق/ إن ترجو أسباب السلامة في الهوى/ فاحضن غبار يديك يا مشتاقي.

print