منذ إحداث المعاهد التقانية كان يطلق عليها (المعاهد المتوسطة) ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لم تتغير النظرة إليها، حيث باتت هذه المعاهد للطلاب الذين لا تسمح لهم درجاتهم بالتفاضل على الكليات الجامعية نظراً لارتفاع معدلات القبول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ارتفاع أقساط الجامعات الخاصة التي أضحت حلماً للطلاب الفقراء للدراسة فيها.
وبكل أسف، فإن وزارة التعليم العالي همّشت هذا النوع من التعليم مع معرفتها المطلقة بأنه الطريق الأقرب للتنمية في مختلف المجالات وخاصة أننا في مرحلة إعادة الإعمار.
وفي رأي عدد كبير من الطلاب الذين التقيناهم فإن الالتزام بتأمين فرص عمل للخريجين كان حافزاً يجعل الطلاب يتسابقون للتسجيل في المعاهد، ولكن مع إلغاء الالتزام فقد تحولت هذه المعاهد إلى (فزاعة) يهرب منها الشباب خوفاً من الوقوع في مستنقع البطالة.
الطالب يونس خريج معهد صناعات تطبيقية- اختصاص إلكترون قال: نعاني منذ تخرجنا من مشكلة البطالة فقد بات خريج المعهد يحلم بأن يحصل على وظيفة في الدولة، فما نعانيه هو قلة الإعلان عن المسابقات التي تطلب خريجي معاهد.
بدورها رهف أكدت أن خريجي المعاهد يجب أن يكونوا رديفاً للقطاعات الصناعية الحكومية وخاصة في فترة مرحلة إعادة الإعمار، وأضافت: هناك فئة لابأس بها من الطلاب مازالوا يدرسون في المعاهد مع معرفتهم المسبقة بالمستقبل المنتظر أي (شهادة بلا رصيد).
لذلك من المفترض إعادة النظر في موضوع التزام الجهات العامة والوزارية بتعيين خريجي هذه المعاهد بنسبة لخلق حالة من التنافس، وحتى تكون لدى الطالب رغبة وقناعة ذاتية بالدخول إلى هذه المعاهد.
فراس العزب- رئيس فرع معاهد دمشق قال: لدينا في قطاع عملنا (41) معهداً في مدينة دمشق لها ما يشابهها في المحافظات الأخرى، ففي دمشق معاهد صناعية لها ما يماثلها في حلب وطرطوس واللاذقية وغيرها، علما أن هذه المعاهد تتبع لوزارات مختلفة مثل التربية والعدل والصناعة و..و…
المشكلة الحقيقية لدينا هي أننا ومنذ إحداث هذه المعاهد، سواء كانت غير ملتزمة أو ملتزمة، لم يقدم لها أي قيمة مضافة حتى شعر الطالب بالشهادة الأكاديمية لمعهده، بل باتت شهادة مفرغة من مضمونها، أي حتى في سوق العمل أو أثناء الإعلان عن مسابقة نرى أن العدد المطلوب ضئيل جداً لا يلبي الطموح فيما إذا قارناها بعدد الخريجين، وتالياً في كل المؤتمرات الطلابية نتحدث عن تحديث المناهج والمدرس الكفء والمتميز، هذا كله للأسف غير موجود في معاهدنا، وحتى نزيد الطين بلة أصبحنا نحيل سبب مشكلاتنا إلى الأزمة فالمدرس المختص غير موجود في أغلب المعاهد، وإن وجد فهو بعدد قليل جداً، إنما المدرسون الموجودون في المعاهد يعملون بنظام الساعات وهم من خارج الملاك.
وقال العزب: إننا كاتحاد طلبة لا نطالب بالالتزام الكلي لجميع الطلاب إنما نقترح التزاماً جزئياً 25% من الخريجين أو من حصل على معدل مرتفع يتم تعيينه في الوزارة التي يتبع لها معهده، أو أن أخلق حالة تنافس عند الطلاب وأن يكون هناك تحفيز من قبل الدولة لخريجي المعاهد كأن يتم تعيين العشرة الأوائل في كل معهد بوظائف الدولة ومن دون مسابقة، فمن جهة الطالب يحصل على فرصة عمل ومن جهة أخرى نخلق حالة من التنافس ونمنح المعاهد قيمة ونشعر خريجها بأنه متميز، إضافة إلى أن قرارات وزارة التعليم العالي تكون مجحفة بحق الطالب.. فهناك قرار يقول: إذا كان عدد الطلاب أكثر من 15 طالباً في الاختصاص لا يحق له الدخول إلى الكلية.
ومنذ مدة تم رفع مقترح من الاتحاد لوزارة التعليم العالي وإلى الآن لم نحصل على جواب وهو أن نلجأ إلى اتباع موضوع النسبة– مثلاً: الطالب حقق نسبة 80 أو 85% يدخل إلى الكلية وهناك مقترح آخر: كل طالب حصل على معدل فوق 75% يخضع للامتحان الوطني من ينجح فيه أو من يجتازه يدخل إلى التعليم العالي.فالأنظمة والقوانين التي أصدرتها وزارة التعليم العالي تقول: إن الطلاب الثلاثة الأوائل من كل المعاهد يدخلون الكليات كل حسب اختصاصه.
مثلاً: لدينا ما يقارب (4-5) معاهد تجارية في دمشق وريف دمشق والقنيطرة لنجمع الطلاب على مستوى المحافظات ونخضعهم للامتحان الوطني (من حصل على 75%) فقط ومن ينجح منهم يدخل إلى التعليم العالي والمقصود يجب ألا نحكم الطلاب بالعدد.
الأمر الأخطر إذا لم ترفد وزارة التعليم العالي المعاهد التقنية الفنية والصناعية بأعداد طلاب متلائمة مع أحجام المعاهد سنقع في أزمة وسنرى المعاهد هياكل فقط من مدرسين وأثاث، ولكن لايوجد طلاب، سيكون عدم التزام الدولة بالمعاهد وراء عزوف الطلاب عن الدراسة فيها.
اختصاصات مناسبة
وفيما يخص إعادة الإعمار أوضح العزب أنه لدينا معاهد واختصاصات تتناسب بشكل طبيعي مع إعادة الإعمار وخاصة في هذه المرحلة ففي المعهد الصناعي الأول لدينا اختصاص إلكترون وكهرباء، أما في المعهد الصناعي الثاني فلدينا اختصاص نجارة– ديكور– أثاث– تصليح سيارات، والمعهد الصناعي الثالث لدينا اختصاص تصليح مكيفات- أدوات طبية – إضافة إلى وجود المعهد الصحي فيما يخص أمور الصحة وفيما يتعلق بالشؤون الصحية.
نقل مقر وليس إلغاء
ونوه العزب بأنه لم يتم إلغاء أي معهد لكن معهد الصناعات النسيجية ومعهد المراقبين الفنيين والصناعات الكيمائية كانوا في منطقة غير آمنة تم نقلهم إلى منطقة آمنة في منطقة التجارة ولاتزال هذه المعاهد قائمة، لكن المؤسف عندما اتخذت وزارة الصناعة قراراً بإلغاء الالتزام تم إفراغ هذه المعاهد جميعها من الطلاب حتى وصل بها الأمر إلى أن عدد المدرسين يقارب ضعف عدد الطلاب.
في معهد الصناعات النسيجية والكيميائية والتدريب المهني عدد الموظفين يفوق الـ400 موظف بينما عدد الطلاب الذين يداومون في المعاهد الثلاثة المذكورة لا يتجاوز 200-250 طالباً.
إهمال وتراجع
بيّن العزب أن عزوف الطلاب عن الدراسة في هذه المعاهد نتيجة عدم التزام الدولة بتعيين الخريجين، والأمر الآخر هو موضوع المناهج التي لا تلبي سوق العمل وتحتاج تحديثاً وعدم رفد وزارة التربية أو وزارة التعليم العالي بالمفاضلة العامة أعداداً كبيرة لهذه المعاهد، ورأى العزب أن إلحاق المعهد الصحي بمديرية التدريب في الوزارة يعد تقليلاً من أهميته وقال: لدينا أكثر من 50% من المعاهد يلبي الطموح إذا فعّل بشكل صحيح، فالمعهد الطباعي من أفضل المعاهد على مستوى القطر بعد تحويله لمعهد إنتاجي، لكن المؤسف أن وزارة التعليم العالي لا ترفده بالطلاب، فعدد الطلاب لا يتجاوز العشرة.
أما (معهد الصناعات النسيجية) فقد قدمت وكالة (جيكو) معدات للمعهد وصلت لمئات الملايين لكن نتيجة فك الالتزام انسحبت الوكالة مع أجهزتها. وعلّق العزب قائلاً: العقل المدبر في هذه الحالة يكون مدير المعهد ولكن للأسف لدينا الأغلبية العظمى من مديري المعاهد لا يلبون الطموح في تطويرها.
معاناة
منذ سنوات وحتى الآن والاتحاد الوطني لطلبة سورية يقترح حلولاً لمشكلات المعاهد التقنية بدءاً من طرق القبول وصولاً إلى التخرج وإيجاد فرص عمل لهؤلاء الخريجين، ولايزال حتى الآن يعمل لانتشال المعاهد من الواقع السيئ الذي تتعرض له بسبب إهمال وتقاعس المعنيين بشؤونها من مختلف وزارات الدولة التي يفكر بعضها بالتخلي عن المعهد التابع لها بحجة لعدم قدرتها على الالتزام بتأمين فرص عمل للخريجين.
إنعاش المعاهد
وأوضح العزب: إننا في الاتحاد الوطني لطلبة سورية جهة وصائية وفي كل المؤتمرات الطلابية نوصي بمقترحات لتطويرها من دون جدوى فإذا لم تتخذ إجراءات سريعة ستفقد هذه المعاهد قيمتها الإدارية والعلمية. وقد وصلنا إلى مرحلة إذا لم تتخذ الوزارات المعنية في هذا العام إجراءات إسعافية ستفقد هذه المعاهد قيمتها الإدارية والعلمية.

print