الأحداث الإرهابية التي تحصل في العديد من دول العالم، والتي يذهب ضحيتها أعداد كبيرة من الأبرياء، وخاصة العمليات الإرهابية التي حصلت ولا تزال في عدة دول عربية، ومنها سورية والعراق وليبيا ومصر، تعيدنا إلى سؤال كبير ومهم جداً، ما هو الإرهاب الدولي؟ وهو السؤال الذي بقي عائماً ومن دون جواب دقيق طوال عقود من الزمان، وفشلت عصبة الأمم، ومن بعدها هيئة الأمم المتحدة في إيجاد تعريف محدد له ولمعناه ومبناه.
وكما هو معروف للجميع، فإنه في الكثير من الأحيان يتم الخلط بين الإرهاب والمقاومة لأهداف سياسية، وهو ما تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية والعواصم الأوروبية و«إسرائيل» في سياستها، حين تعتبر كل مقاومة لإرهابها الدولي «إرهاباً» علماً أن المقاومة عمل مشروع من أجل «التحرر الوطني» حسب القانون الدولي، مثلما هو حق الدفاع عن النفس وفقاً للمادة /51/ من ميثاق الأمم المتحدة.
ونظراً لعدم وجود تعريف واضح، وكما يقال في القانون «تعريف جامع مانع» للإرهاب الدولي، سادت تعريفات متناقضة ومتعارضة تطلق على توصيف بعض الأعمال الإرهابية تبعاً للجهة التي تقف خلفها أو المستفيدة منها، وهذا التوصيف يتراوح ما بين «التأييد» والتنديد، وبين «التقديس» والتدنيس، فما هو الإرهاب الدولي؟ في هذا المجال نسوق فيما يلي بعض الأمثلة ووجهات النظر حول هذه المسألة:
رصد الباحث «ألكس شميد» في كتابه «الإرهاب السياسي» وجود نحو /109/ تعريفات للإرهاب، أو لمصطلح الإرهاب، مؤكداً أنها تنطلق من خلفيات ومصالح سياسية مختلفة ومن أهداف واضحة أو غير معلنة أحياناً.
الباحث والمفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي» يذهب في تعريفه للإرهاب وتحديد مضمونه إلى القول: «إن الإرهاب يعني كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين، أو حكومة ما عن طريق الاغتيال والخطف أو أعمال العنف الأخرى، بهدف تحقيق أغراض وأهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة وهو الإرهاب الأكثر خطورة». إذاً نلاحظ أنه حدد ثلاثة أنواع من الإرهاب «فردي وجماعي وإرهاب دولة» الذي أعتبره أكثر خطورة من النوعين الأوليين.
لقد كانت هناك حزمة من القرارات الدولية بشأن الإرهاب منذ عام 1963 وحتى الآن لكنها كانت «قطاعية» أي إنها تشمل تشريعات تتعلق ببعض حالات الإرهاب مثل الهجمات الإرهابية على متن الطائرات أو خطفها والاستيلاء عليها أو تهديد النقل الجوي، أو تمويل الإرهاب الدولي وما شابه ذلك، إلا أن معظم الاتفاقيات التي صدرت عن الأمم المتحدة لم تعالج الإرهاب بصورة شاملة، بل عالجت ظواهر الإرهاب الفردي وإرهاب المجموعات، واستبعدت معالجة ظاهرة الإرهاب الدولي الذي تمارسه الدول وحكوماتها أو بعض الكيانات مثل إرهاب الذي تمارسه «إسرائيل» مثلاً.
وحتى بعد صدور ثلاثة قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي عقب هجمات 11 أيلول عام 2001، إلا أن التعريف ظل «ضبابياً»، إن لم تكن مسألة التعريف أصبحت أكثر تعقيداً من قبل، وهذه القرارات هي:
1- القرار رقم 1368 الصادر بعد يوم واحد من هجمات 11 أيلول والذي أرّخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب الدولي.
2- القرار رقم 1373 الصادر في 28 أيلول عام 2001 «أي بعد سبعة عشر يوماً من الحدث الإرهابي» وهو أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول «المتنفّذة بالطبع» بشن حروب استباقية أو وقائية بزعم وجود «خطر وشيك الوقوع» أو «خطر محتمل». ويعتبر هذا القرار عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يجيز «الحق في الحرب»، و«حق الفتح» و«الحق في الحصول على مكاسب سياسية في الحرب»، وذلك وفقاً لمصالح الدولة التي تشن الحرب.
3- القرار رقم 1390 الصادر في 16 كانون الثاني عام 2002 والذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، وإلا فإنها يمكن أن تتعرض للعقوبات الدولية.
بعد سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي على الموصل في 10 حزيران عام 2014، أصدر مجلس الأمن الدولي 4 قرارات دولية أخرى، وهي على التوالي:
1- القرار رقم 2170 الصادر في 15 آب عام 2014، وذلك على خلفية سلة القرارات التي أشرنا إليها.
2- القرار رقم 2178 الصادر في 24 أيلول 2014، ونص على منع تدفق «المقاتلين» الأجانب إلى الأراضي السورية والعراقية، وقد دعا القرار الدول إلى «وضع ضوابط فعّالة على الحدود وتبادل المعلومات بين الدول حول ذلك».
3- القرار رقم 2185 الصادر في 20 تشرين الثاني عام 2014 والذي أكد دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الخاص بالبعثات السياسية، وعلى موضوع التعاون المهني لمكافحة الإرهاب ومشاركة الجميع في ذلك من دون استثناء.
4- القرار رقم 2195 الصادر في 19 كانون الأول عام 2014 حول التهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان.
وقد صدرت هذه القرارات جميعها بموجب «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بتنفيذ العقوبات في الحال، واستخدام جميع الوسائل المتاحة بما فيها القوة لوضعها بوضع التطبيق.
مع أن تعريف الإرهاب مسألة مهمّة جداً لجهة التحديد القانوني لها، إلا أن معظم الدول الكبرى المتنفّذة وخاصة منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لا ترغب في التوصّل إلى توافق دوليّ حول تعريف الإرهاب ومضمونه ومعناه، لأن ذلك يتعارض مع مصالحها وأهدافها السياسية ومحاولاتها المستمرة لبسط هيمنتها على الشعوب والدول الصغيرة لنهب خيراتها، كما لأنه يمكن أن يحدّ من استخداماتها لأشكال متنوعة من القوة التي قد «ترتقي» إلى مستوى الإرهاب الدولي.
وخير مثال حيّ على الازدواجيّة في التعامل مع الإرهاب، بسبب عدم وجود تعريف واضح و«جامع ومانع» كما أسلفنا لمحتوى الإرهاب ما يجري ضد سورية منذ أكثر من ست سنوات، إذ إن تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة » الإرهابيين بموجب تصنيف مجلس الأمن الدولي، يتلقيان الدعم السريّ والعلني لجرائمهما في سورية من قبل أمريكا وعواصم غربية أخرى وإقليمية وعربية.
مثال آخر: أمريكا تعتبر «داعش» إرهابياً في العراق و«غير إرهابي» في سورية!
وتلجأ بين الحين والآخر إلى عرقلة تقدم الجيش العربي السوري عندما يضيّق الخناق على «داعش»، علماً أن الجيش العربي السوري هو الذي يحارب «داعش» في المنطقة. وهناك أمثلة لا تُعدّ ولا تحصى عن الازدواجية في التعامل مع الإرهاب. عندما يضرب الإرهاب في عاصمة أو مدينة أوروبية تقوم الدنيا ولا تقعد، بينما عندما يقتل الأبرياء في دول عربية لا أحد يحرك ساكناً في أمريكا وأوروبا، بل يعتبرون مثل هذه العمليات الإرهابية «ثورة».
نخلص إلى القول: إنه لا يوجد التباس في مفهوم الإرهاب كما يحاول البعض أن يقول، بل هناك تعمّد من أمريكا وأوروبا للحيلولة دون التوصل إلى تعريف محدد واضح ومُتّفق عليه من جميع الدول لمفهوم الإرهاب يقوم على معايير علمية وموضوعية، بحيث يبقى هذا المفهوم «مطاطياً» و«مائعاً» تفسره كل دولة على هواها ووفقاً لمصالحها السياسية والاقتصادية، وتستثمر فيه.

print