لم يكنْ توصيف سورية بأنها قلب العروبة النابض شطراً من أبيات قصيدة شعرية، أو مديحاً دبلوماسياً وكلاماً معسولاً متداولاً على هامش اللقاءات السياسية، بل كان لسان حال شارع عربي يرى سورية «المواقف» نبض أبهر لم يخذل يوماً أي قطر شقيق، ولم يساوم أو يصافح عدوّاً تجرّأ على حدوده أو حدود أي دولة عربية.
لقد كانت سورية «الحضن» الأوسع لكل همّ عربي، وسياستها دائمة الوضوح باستراتيجية تؤطرها نظرة شمولية مؤمنة بأن الوطن العربي «أمة عربية واحدة».
واليوم، وسورية تعاني حرباً كونية لأكثر من ست سنوات، استنزاف وحصار ومقاطعة وتدمير للبنى التحتية وإرهاب أزهق حياة عدد غير قليل من السوريين، وشرّد وهجّر عدداً آخر، وهي مخرجات متوقعة مادام العنوان «الحرب»، بقيت السياسة الحكيمة للقيادة السورية مثابرة في انتهاج الحق ببسالة قواتها المسلحة، وصمود شعبها، فأرهقت القوى المعادية المتآمرة، وجعلتها تشعر بأن الخسارة والفشل نتيجة حقيقية لاعتداء على دولة بوزن سورية.
ست سنوات حرب كانت سورية «الناطقة» باسم شعبها «على حق».
رغم كل السيناريوهات الملفقة والعناوين الجاهزة لافتعال الاعتداء، فإن قراءتها لما يحدث في ميدان الجغرافيا السورية كان ترجمة حرفية لعدوانهم واسمهم جميعاً، بتنوع فصائلهم والدول الراعية لاعتداءاتهم، فممارساتهم كانت إرهاباً، والدولة السورية تحارب الإرهاب بكل ما يحويه «التوصيف» من شرح مفردات، والتدخل في شؤون الدول هو تدخل غير مشروع، ودعم الدول لأي فصيل مدجج بالسلاح على الأرض السورية هو دعم صريح للإرهاب.
الرؤية السورية، ومنذ افتعال الأزمة، ارتكزت على نقطتين أساسيتين:
الأولى، مكافحة الإرهاب، وثبت من خلال عمليات انتحارية تمت في عدة دول عظمى أنّ منفذيها هم من أصحاب الفكر الوهابي التكفيري الذي يحارب ضد سورية، وأن الحل لاجتثاثه هو القضاء عليه «هنا» في سورية مع تجفيف منابع دعمه، وإلا صار كالطوفان سيصل جغرافية الدول الداعمة والراعية والمصنّعة للإرهاب.
والنقطة الثانية، التي أصرّت عليها الحكومة السورية، أن الحل للأزمة في سورية لا يقوم إلا بحلٍّ سوري- سوري من دون أي بصمات لأيدٍ خارجية.
وانتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه في البادية السورية اليوم، والالتفاف حول «الخطوط الأمريكية الحمراء» التي رسمتها واشنطن في منطقة التنف والوصول للحدود العراقية، وخضوع واشنطن للأمر الواقع والقبول بالجيش العربي السوري «شريكاً» في مكافحة الإرهاب، واعتراف الأمريكي نفسه بأخطائه، ليست إلا تأكيداً على انتصار الرؤية السورية، الكاتب الأمريكي«سيمور هيرش» ينقل قول أحد كبار الموظفين في الإدارة الأمريكية عندما علم بقرار «القصف الأمريكي لمطار الشعيرات»:
«لا شيء من هذا منطقياً.. نحن نعلم أنه لم يكن هناك هجوم كيميائي..».
وأيضاً الحاضنة الشعبية الداعمة للدولة في المناطق التي تخضع لسيطرة الجماعات المسلحة –في الجنوب- أجبرت الدول الداعمة للإرهاب على الرجوع خطوات إلى الخلف، والبحث عن منافذ لإعادة الربط والتنسيق مع الدولة السورية.
وما يحدث في «جنيف 7» يمكن ألا يعدّه البعض تقدماً مهماً، لكن المؤشرات تشي بأن هناك تحضيراً لإنجازات سياسية بالانتظار، والسؤال الأهم: هل سيكون صيف 2017 «برداً وسلاماً» على سورية وشعبها التي كانت وستبقى على حق..؟
m.albairak@gmail.com

print