– لو نظر كلّ كائن إلى وجهه لاكتشف أخيه!.
– من يمنع هذه الرؤية؟!
– الليل!.
– الليل ليس هو مجرد مفردة مُعبرة عن تتالي ذرات تفتقد في جوهرها إلى النور فقط.. هو جملة من الوقائع غير المرئية.. جملة تتفاعل في داخلها المفردات.. تتفاعل مع بعضها لتكوّن مرجعيات غير قابلة للجدل، غير قابلة للاستنتاج، غير قابلة للاستئناف.. مرجعيات بعيدة كلّ البعد عن كيمياء الروح وكلّ ما توحي به الوجوه.. هو الليل جدّ الظلمة.. هو مجموعة من المبادئ الموثقة -على نحو شامل- لكلّ ما افتقدته نظرية الارتقاء بالنوع…
– ألا يبدو هذا ظلماً لنظرية «الارتقاء بالنوع»، الّتي أفنى «دارون» عمره للبرهنة على صحتها؟!.
– «دارون» لم يفعل شيئاً، هو راقب وجوه الكائنات في وضح النهار، وصاغ نظريته عن التشابه ضمن النوع الواحد، والبنية الّتي تحكم هذا التشابه ضمن فصيلته الأعمّ، بعيداً عمّا أوحت له الوجوه.. قد تكون تلك الإيحاءات هي من ثنته عن متابعة البحث، فهرب مذعوراً إلى تتبع دروب تطور النوع المستمر ليصل به المطاف إلى تكوين نوعٍ جديد.. نوع متأقلم مع محيطه.. نوعٍ جديد مغرم بتلقي الأوامر، مغرم بإطاعة ولاة أمره، مغرم بقدرته على التدجين، مغرم بالابتعاد عن إيحاءات وجهه الأصل، مغرم بإيمانه بالانتخاب الطبيعي، أي أنه محكوم -منذ البدء- بالاستسلام لقدره الذي ميزه عن الأنواع الأخرى، لكن ليس على الطريقة «الداروينية»، بل بالطريقة الّتي جاهر بها «مالتوس» وأخفاها «دارون» عندما اختبأت نظريته خلف الطبيعة!.
– و«مالتوس»؟..
– «مالتوس» أوكل هذا (الانتخاب -الارتقاء) إلى أصحاب القرار في العالم، لإنتاج أنواع جديدة من المخلوقات الأكثر فتكاً بالإنسان.. لإنتاج (الفرد-المجتمع) الأمريكي الهجين.. لإنتاج السياسة الأمريكية المغيبة لأي وجهة لا تشبهها، و(العراف-القائد) الذي يقوم بالمهمة هو أنواع من الجراثيم غير القابلة للمكافحة في البلاد المارقة عن «مالتوس»، بمعنى تعميم الأمراض، تعميم الجوع، القهر، الفقر، المخدرات، الإجهاض، الجهل، السلفية، الاستهلاك، التطرف، الإرهاب، والليل!.
– الليل هو معصية لمتابعة الوهم…
في الليل تتخبط الرؤى ضمن الدائرة الموثوقة في مراوغتها، فتغدو النجوم البعيدة هدفاً لبوحك، لآلامكَ، لشكواك، لاستغلالكَ، لاستلابكَ بالمطلق من قبل المرجعيات.. في الليل يغدو السكون مرتعاً لأمل مكبوت داخل الخدعة الكبرى بارتقاء النوع المشروط -أبداً- بعدم الخروج عن المرجعيات الكبرى!.
-أيها الليل
إن كنت وفياً لوجهي، أرني وجهك الحقيقي، ما عادت نجومك تغويني، فقدت بريقها، وصارت النجوم تأنيثاً لماركات الاستهلاك، صار فضاؤك مرتعاً لنواح الأرامل، ومرعى لأصوات الرصاص.. مرعى يغري من انتخبهم «مالتوس ودارون» لانتخاب نوع جديد.. نوع لن يدعكَ تخرج من الطابق الأول للمرجعية الأساس!.
– والعلم؟.
– العلم هو انتصار البناء المستمر.. انتصار الشمس في دورانها.. هو سقوط مرجعيات الليل في داخلنا، هو أن ترى وجهك ضمن حقيقة الاستنتاج..
– يقول «برتراند راسل»: انتصار العلم هو نتيجة لتعويض الملاحظة والاستنتاج بدل المرجعية، وكل محاولة لإعادة الحياة إلى المرجعية هي خطوة رجعية.. إن عدم عدّ الآراء العلمية حقيقة مطلقة، هو جزء من وجهة النظر العلمية، وواحد من أعظم المنافع التي يسديها العلم لأولئك الذين يفهمون روحيته، روحيته التي تساعدهم على العيش من دون ذلك الإسناد الخادع للموثوقية الوهمية، ذلك هو عدم موافقة العلم على الاضطهاد.. والرغبة في عقيدة متطرفة هو إحدى لعنات زمننا هذا..
fatehkalthoum@gmail.com

print