«يا مستعجل وقف لقلَّك» كأن هذه المقولة باتت بمنزلة شعار تطرحه العديد من المؤسسات الحكومية، ليس بحكم الروتين والبيروقراطية فقط، بل أُضيفت بعض القضايا التقنية للموضوع، فبعد دخول الأتمتة التي استبشرنا بها خيراً، بأنها ستُغنينا عن المتاهة التقليدية للمعاملات الرسمية، أدخلنا الواقع في متاهة من نوع آخر، فمثلاً عندما أراد صديقي المُدرِّس الحصول على بيان راتب من مديرية التربية في ريف دمشق، وبعد انتهاء الطابور الذي أمامه، انقطعت الكهرباء، فأصبح الكمبيوتر مثل صندوق فارغ «لا يهشّ ولا ينشّ»، وبعد ما يُقارب الثلاثة أرباع الساعة، تم تشغيل المولِّدة البهية، ودارت المراوح وأنيرت النيونات، فاعتقد صديقي أنه اقترب من نهاية النفق، ولم يدرِ أن الموضوع ليس بتلك السلاسة المتوقعة، فبعد أن أعاد الموظف تشغيل الكمبيوتر وأدخل اسم المستخدم وكلمة السر، أصبحت شاشة الحاسب أشبه بإنارة شجرة الميلاد وكأن هناك أحداً «عامله عمل» لصديقي يمنع حصوله على بيان الراتب، ولم يتوقف الأمر عند ذلك فالطابعة بعد استقرار حال الكمبيوتر أبت إلا أن تُساهِم في الإمعان بالمصيبة، فمرَّة يعلق فيها الورق، وأخرى ترفض أمر الطباعة، وكأن ما تريد طباعته هو «البيان والتبيين» للجاحظ، الأنكى أنه بعد أن حظي صديقي بورقة بيان الراتب، بدأ متاهة جديدة للحصول على الختم الأحمر، والمُريب أن مديرة إدارة الحسابات منتدَبة من وزارة المالية ولا رقيب عليها في مديرية التربية في ريف دمشق، حيث صارت الساعة قريبة من الواحدة ظهراً من دون أن تُشرِّف تلك المديرة الغرَّاء، ولا نائب لها يحلّ محلَّها، ما اضطر صديقي للمجيء في يوم آخر بعد أن انحلَّت مفاصله من الوقوف ما يزيد على الأربع ساعات، ولا معلومات عن ساعة وصول «الساندريلا»، وكل الخشية أن يكون ذاك الختم الأحمر يعمل على الكهرباء أيضاً.

print