من المؤسف ألا يرى بعضنا في القيمرية أكثر من تجمع لعدد من المطاعم والكافتريات تصلح لمشوار جميل، في حين أن جارة الأموي لا تستدفئ فقط ببركته بل تستلهم من فسيفسائه لترسم لوحتها الخاصة بتمازج عائلاتها وأحيائها بدءاً من حي الأمين إلى جادة القيمرية مروراً بحيّ القصاع، باب توما، حارة الجورة.
كل هذا يجعل منها أنموذجاً مصغراً لدمشق، مدينة ترقد على تاريخ.
الحديث عن الحي القديم، جاء في ندوة قدمها الباحث حسان النشواتي على هامش مهرجان أيام التراث السوري الرابع ما بين خان أسعد باشا والمركز الثقافي في أبو رمانة. بالطبع تصعب الإحاطة بذاكرة عمرها مئات السنين في ساعة واحدة، لكنه حاول إيجاز ذلك مستعيناً بذاكرته الشخصية بداية كابن للحي، أصدر العام الماضي موسوعة بعنوان «من حارتي القيمرية»، بعد أن فضل التخلي عن مكان إقامته في الولايات المتحدة والعودة إلى سورية، في رحلة معاكسة للدارج زمن الحرب المعيشة، ومتكئاً أيضاً على فيلمين قصيرين، كان بالإمكان رفدهما بصور ومخططات تغني معلومات الحضور، ولا سيما أن معظمهم، كما ظهر في النقاش، لا يعرفون عن المنطقة شيئاً أكثر من معلومات عامة.

في زمن مضى، ضمت القيمرية مرافق أمدت دمشق بكثير من لوازمها، فكانت خاناتها متاجر للحرير الآتي إليها من الهند، منه أتت تسميتها «الهند الصغيرة»، وفي أحد أزقتها الطويلة كانت مطبعة «الترقي» للقيمراني «صالح الحيلاني»، الذي رفض أن يخرج من مطبعته أي كتاب بلغة المستعمر الفرنسي زمن الانتداب. إضافة إلى المصبنة وقاعات النشاء مع فن معماري عريق يظهر في أبنية الحي، وإن كان أشهرها: خان أسعد باشا، بيت القدسي، بيت جبري، مكتب عنبر وغيرها.
القيمرية حسبما يذكر الباحث: حي دمشقي كبير، يقع شرقي «باب جيرون» في المنطقة التي كانت تسمى «الحريميين»، ما يشير إلى أنها كانت سوقاً تجارية تختص بمتطلبات النساء، وعرفت أيضاً بـ «حي المطرزين»، أي أنها اختصت بمهنة محددة، وربما ترتبط التسمية بكنيسة مريم، حيث سميت الحارة التي حولها بالقيمرية، نسبة لما يقال في اليونانية «إيكوس ماريا، قيمرية، بيت مريم» أو «أغياماريا، قيمرية، القديسة مريم».

يصحبنا النشواتي في رحلة استكشافية لمباني الحي جوامعه وكنائسه وحماماته، عدد منها ما زال يمارس مهماته حتى اليوم، في حين كان الإهمال سبباً لتوقف البقية. هناك مثلاً حمامات «الجورة، البابين، القاري، سامة»، يشغل الأخير الزاوية الشمالية الشرقية للباحة الخارجية لمعبد جوبيتر القديم، ضم إليه جزءاً كبيراً من الحائط الروماني وعموداً لا يزال قائماً حتى الآن، ولم تغير الترميمات المتتابعة باستثناء قاعة تبديل الملابس مظهر قاعاته المختلفة ولا حتى ترتيبها.
يتحدث النشواتي أيضاً عن حمام قصر العظم رغم أنه يعدّ من الحمامات الخاصة لكن سعته وتميزه تستدعي التطرق إليه، فباستثناء المشلح وقبة التدفئة المنهارة، يتمتع المكان بحالة جيدة، وكغيره من حمامات القرن الثامن عشر، تنتشر فيه الزخارف الملونة الحجرية وتعكس أجواؤه حالة ثراء فريدة.
في الكلام عن المساجد يستحضر الباحث مسجد خالد بن الوليد، أول مسجد شيد في دمشق، جُدد في العهد الأيوبي، ومع أهميته إلا أنه اليوم أشبه بخرابة لا سقف لها، لم يتبق منه سوى أرضه وكتابتين فوق الباب سلجوقية وأيوبية.

يمتد بنا المسير إلى مسجدي درب الحجر والشيخ رسلان في باب توما، مع ما تحتفي به من كنائس قديمة، منها كنيسة القديسة مريم للروم الأرثوذكس، التي مرت عليها عدة نكبات، كانت تُدمر ويعاد بناؤها من جديد، تضم مدفناً لبطاركة أنطاكية منذ انتقال الكرسي الأنطاكي إلى دمشق، وتعدّ مع كنيسة «حنانيا» الرسول، الأقدم عندنا. من دون أن ننسى كنيسة القديس يوحنا الدمشقي وكاتدرائية سلطانة العالم والكنيسة الإنجيلية المشيخية الوطنية.
ربما لا يعلم كثيرون أن القيمرية خرّجت واحداً من رواد السينما، كما يذكر النشواتي، على لسان الأديب عادل أبو شنب، حيث أسس «نزيه شهبندر» استديوهاً في باب توما وصنع فيلماً عام 1948 اسمه «نور وظلام»، اضطر وقتها لاختراع أجهزة صوتية ليتمكن من إخراجه كما استأجر سينما «هبره» في المنطقة ذاتها ووضع آلاته فيها.
من أبناء القيمرية أيضاً المطرب رفيق شكري، أول من غنى الكلام السوري في أغنيته المشهورة «بالفلا جمال ساري»، وذاع صيت المونولوجست «سلامة الأغواني» ومقطوعاته الناقدة الساخرة عبر إذاعة دمشق، وقدم المنشد «توفيق المنجد» الموشحات الدينية لسورية والعالم العربي.
ما سبق نموذج مصغر عما تمتلكه المنطقة ولا يعبر عنها كما يجب، لكن يحسب لمديرية التراث الشعبي محاولاتها الإضاءة على حي دمشقي قديم، لا يعرف عنه أبناؤه شيئاً يستحق الذكر.

print