اللافت في النتاج الثقافي الذي يتم تصديره وإصداره سواء على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى في المطبوعات الورقية، أن النتاج الإبداعي الأكثر انتشاراً؛ هو الشعر..!
ربما إذا فتشنا في الذائقة الشعرية على مدى الصحارى العربية، فثمة عمق بعيد لهذا النتاج الإبداعي، فقد اكتفى العرب ولزمن طويل جداً بالشعر، وتكاد القصيدة حتى اليوم تكون النتاج الإبداعي الأثير إلى نفس العربي. لكن إذا ما بحثنا في أبعد من ذلك في ذائقة مجاورة كالأرض السورية، فإن الإيغال بعيداً ولاسيما في عصرها الهلنستي، فقد كان الشعر السوري درة تاج ذلك النتاج البعيد الذي يطلُّ برأسه كل حين من تذكر رغم كل هذا الركام الذي رُدم ورُجم به على مر الأيام.. وطالما كانت نتائج بيتٍ من الشعر حروباً ضارية بين قبليتين، أو قصيدة خلدت حكاية عشق لاهبة بين تلال الرمال، أو كان بيت من الشعر سبباً في مقتل صاحبه.
قصائد تنوعت في أغراضها وشواغلها، من قصائد تدمع العيون رثاء في فقد عزيز أو تواري وجوهاً إثر شراسة هجاء، أو تنفخ زعيم قبيلة غطرسة عند عنتريات فخر.
لكن ومع دخول العالم العربي القرن العشرين وانفتاحه على مختلف نتاج العالم قديمه من ملاحم وحكايات وأساطير وغيرها، إلى فنون بصرية حديثة، فقد ارتبك الشعر لفترةٍ وجيزة من الزمن حتى ظنّ الكثيرون أن ثمة أجناساً إبداعية قد حلت محل «ديوان العرب» الأول، لكن كل ذلك لم يكن أكثر من ادعاء لم يُثبت أحدٌ صحته أو تأكيده في وقائع المشهد الثقافي، ففي الأجناس والأنواع الإبداعية كلها، يُمكن الحديث عن تجارب فردية وأسماء لم تأخذ صفة الظاهرة من ناحية النوع والجودة ولا من جهة الاستمرار والانتشار.. من هنا يُمكن الحديث عن أفلام عربية – على سبيل المثال – وليس سينما عربية، تماماً كما يُمكن الحديث عن روائيين عرب، وليس عن رواية عربية لها خصوصيتها، بل يُمكن الحديث عن انقراض بعض الأنواع الإبداعية، أو هي في طريقها إلى ذلك كما يحصل اليوم مع القصة القصيرة، وهذا ما ينسحب على مختلف الإبداع سواء في العالم العربي ككل، أو حتى في كل قطر عربي.. وحده الشعر من اكتسب الصفة العربية، ولم يُبدع العرب أكثر ما أبدعوا في نتاج القصيدة.
وعلى مرّ الأزمان تغيرت حوامل القصيدة، من صخرة كُليب العربي الذي اغتاله غدراً جساس، وهو ابن عمه وصهره وزعيمه لأجل سهم طائش أصاب ضرع ناقة، فكتب وصيته بدمه على صخرة، إلى تشريف القصيدة بتعليقها على جدران كعبة العرب في الجزيرة العربية، وصولاً إلى الكتاب وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي.. لا تزال القصيدة على انتشارها رغم كل التغيرات التي حصلت على بنيتها، وفي ذلك ثمة قصص وحكايات في أسباب هذا الانتشار للشعر في عالمٍ لا يقرأ.

print