الاحتفاء بالتراث السوري عبر معارض وحرف تعمل بشكل مباشر أمام المشاهد، يعدّ أمراً نادراً وضرورياً، فالكثير من المهن التي تعمل مديرية التراث الشعبي على حمايتها والاحتفاء بها كل عام، تحتاج مد الجسور في كل مرحلة مع الأجيال الجديدة التي لا يعرف الكثيرون منها شيئاً عن هذه المهن وتلك الجماليات.. في هذا الإطار تأتي أهمية مهرجان التراث الشعبي السوري الذي أقيم في خان أسعد باشا حيث سحر المكان مع سحر اللون والموجودات التراثية شكّل فضاءً غنياً بالدلالات.
اختصت كل زاوية من زوايا خان أسعد باشا بالعديد من الصناعات التراثية والحرف التقليدية التي مثلها أكثر الحرفيين والفنانين تميزاً ممن لديهم بصمة واضحة في ترسيخ التراث، بدءاً من الحرف التقليدية والعراضة الشامية والسيف والترس إلى الحرف اليدوية النسيجية والفن التشكيلي والخط العربي، والهدف هو الاحتفاء باليوم العالمي للتراث وترشيح دمشق مدينة مبدعة في الحرف التقليدية والفنون الشعبية.

أعرق الحرف الدمشقية حضرت في المهرجان لكونها تمثل جزءاً مهماً من تاريخ وحضارة سورية، وكان أبرزها الحرف التقليدية التراثية لسوق المهن اليدوية، ولوحات من الأزياء السورية الموجودة في أرشيف مديرية التراث الشعبي بوزارة الثقافة والتي مثلت أطيافاً مختلفة لأزياء المدن في كل المحافظات السورية بين أعوام 1959- 1965، ومجموعة من المعارض التي شملت لوحات للخط العربي لعدد من الخطاطين، هم: عدنان الشيخ عثمان، عاصم رهبان، أدهم فادي الجعفري، وكتباً في التراث الشعبي من مطبوعات وزارة الثقافة– الهيئة العامة السورية للكتاب، ومعرضاً للفن التشكيلي من وحي دمشق للفنانين: محمد طريفي، عصام خباز، هزار السالم، الذي يبرز خصوصية دمشق في المعمار وبعض العادات والتقاليد، فضلاً عن نماذج لأداء حيٍّ لبعض حرف سوق المهن اليدوية مثل الموزاييك والزجاج المعشق والأغباني، التي قام أصحابها بتأديتها أمام الجمهور في دلالة على التواصل بين الأجيال.
كما قامت مديرة التراث الشعبي أحلام الترك بتكريم كوكبة من الأسماء المهمة في عالم التراث الشعبي هم: الباحث والمؤرخ منير كيال الذي كرس حياته لتوثيق التراث الدمشقي، والمهندس المعماري عدنان المفتي الذي رمم مباني تراثية، والحرفي عرفان أوضة باشي شيخ كار حرفة الرسم النباتي على الخشب، إضافة إلى الحرفي بسام صيداوي البارع في حرفة الجلديات، والفنانين التشكيليين خلدون شيشكلي وإيميلي فرح.

عن أهمية المهرجان وفعالياته، قالت مديرة مديرية التراث الشعبي في وزارة الثقافة أحلام الترك في لقاء مع «تشرين»:
«المهرجان يقام سنوياً بمناسبة اليوم العالمي للتراث في معظم محافظات القطر، وذلك للاحتفاء بالموروث الوطني وهذا المهرجان هو الرابع في محافظة دمشق، والثامن عشر على مدار المحافظات السورية».
وأشارت الترك إلى أن فعاليات المهرجان قد تم توزيعها لهذا العام على خمسة أيام متتالية كي تأخذ كل حرفة حقها من الاهتمام، والتعريف بها وبجماليتها، وذلك لما تحتويه من تفاصيل تستحق إظهارها، ومبينة أن إقامة المهرجانات والاحتفاليات هو ضرورة ملحة لتعزيز روح المثابرة عند الحرفيين، وما تقوم به الوزارة بالوقت الحالي هو تذكير الناس بأهمية تراثنا وحرفه كخطة لإعادة تسليط الضوء عليها كي تبرز بين حضور العامة وتترسخ بأذهان الناس.
أما عن العناصر التراثية الجديدة التي تم إضافتها ضمن هذا المهرجان، بينت الترك أنها من أعمال حرفيي سوق المهن اليدوية التي لم يسبق لها المشاركة في مهرجانات سابقة، منها «صياغة الفضة، اللباس العربي، مجسمات تاريخية مشكّلة من الفخار والحجر والجص»، كذلك فقرات لطقوس تراثية ورثناها عن أجدادنا والتي تضمنت «رقصة السيف والمولوية والعراضة الشامية»، كما كانت هناك مشاركة لفنانين تشكيليين مختصين بالخزف، فضلاً عن الندوات والمعارض التي رافقت المهرجان.

print