انتهى لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب على هامش قمة العشرين في هامبورغ على خلاف التوقعات التي سبقت اللقاء، وكانت في معظمها متشائمة وتنذر بالمزيد من التوتر والتعقيد في علاقات البلدين، فقد استغرق اللقاء أكثر من ساعتين وربع الساعة، بينما كان مخصصاً له، حسب المصادر الدبلوماسية الأمريكية، نصف ساعة وهذا في حد ذاته مؤشر إيجابي على كسر جليد العلاقات بين الطرفين، ولاسيما ما قاله ترامب أثناء اللقاء إن له الفخر أو الشرف في أن يكون مع الرئيس بوتين وهذا الكلام بدد إلى حد كبير ما قاله ترامب بلهجة حادة قبل اللقاء «إن سياسة موسكو تزعزع الاستقرار في دول أوروبا الشرقية».
يعزو بعضهم التقدم الذي حصل في محادثات الرئيسين في هامبورغ إلى كيمياء إيجابية بين الرجلين تعود إلى ما كرره ترامب خلال حملته الانتخابية من أنه مستعد للعمل مع الرئيس بوتين لتحسين العلاقات الأمريكية- الروسية، إلا أن آخرين يرون «أن السبب العملي يعود إلى ما قام به مهندس السياسة الأمريكية العريق قبل اللقاء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر بلقاءات جمعته بالرئيسين بوتين وترامب قدّم لهما خلالها المشورة لما يمكن التفاهم حوله، وما يمكن ربط النزاع عليه، وما يمكن وضع قواعد اشتباك حوله».
واضح أن الطريقة الكيسنجرية في حل المشكلات الكبرى المستعصية والمتمثلة بسياسة الخطوة خطوة قد وجدت فيها إدارة ترامب مخرجاً لها من المآزق التي تحاصرها فهي بحاجة لروسيا والسير معها خطوة خطوة أكثر من حاجة روسيا لها رغم أن موسكو لم تتوقف عن دعوة واشنطن للتعاون معها على مختلف الصعد، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والعمل لحل الأزمة في سورية وعندما لم تجد المكابرة الأمريكية ولم تنفع سياسة الانفراد والاستئثار بل فشلت على الأرض نزعة الهيمنة قبلت إدارة ترامب دعوة موسكو للتعاون معها ولو بأسلوب الخطوة خطوة بعد أن كان ذلك من المحرمات.
لا نتصور أن إدارة ترامب وترامب شخصياً الذي أشبع وسائل الإعلام شتى أنواع العنتريات كان يمكن أن يقبل في قمة هامبورغ العروض الروسية بالتعاون الجدي لولا حاجته الماسة لموسكو، فهو بحاجة لها فيما يتعلق بسورية لأن نجاحات الجيش العربي السوري بمؤازرة حلفائه وفشل واشنطن وحلفائها في الساحة السورية وعلى مختلف الجبهات فرضت على الإدارة الأمريكية أن تعيد حساباتها وتسلم بالدور الروسي الحليف الثابت للدولة السورية، وكذلك بالنسبة لصواريخ كوريا الديمقراطية فهي مضطرة لطلب العون من الكرملين للوصول إلى حل مع بيونغ يانغ، كما أن تدهور علاقاتها مع الصين بشأن المسائل الاقتصادية والنزاع الخطر حول بحر الصين الجنوبي يفرض عليها الاستعانة بالصداقة الروسية للصين.
في مطلق الأحوال ولأن اللقاء كان الأول بين الرئيسين وترك انطباعات إيجابية فإن نتائجه ربما ترخي بظلالها على تحسن العلاقات بين القوتين العظميين وتالياً ربما ينعكس ذلك إيجاباً على حل الكثير من القضايا الدولية المعلقة، وما بعد القمة سيكون اختباراً لهذه الفرضيات التي طبعت اللقاء بين الرئيسين، صحيح أن الكيمياء الشخصية بين الرجلين قد تكون فعلت فعلها في هذا اللقاء، غير أن المصالح بين الدول ليست نيات رومانسية تحت شعار الأمن والسلم الدوليين، بقدر ما هي استجابة للأولويات التي يرغب كلّ من الفريقين تحقيقها مقابل تجنّب المحاذير الأهمّ التي لا يرغب كلّ من الفريقين من الآخر الوقوع فيها، وهنا تحضر الأولويات المتعاكسة لدى الطرفين التي ربما يكون القرار الحاسم بشأنها في واشنطن ليس لترامب، وإنما للدولة العميقة التي في إمكانها خربطة كل شيء والعودة إلى المربع الأول أو إلى نقطة الصفر في أسوأ الأحوال.
لا تبدو في نظر الخبراء فرص تحسن دراماتيكي في العلاقات الروسية- الأمريكية أو اختراق كبير حتى الآن، لاعتبارات تتصل بشخصية الرئيس ترامب وضعف مكانته الأمريكية الداخلية، خصوصاً في ملف العلاقات بروسيا، لكن ربط النزاع بملفات ووضع قواعد اشتباك في ملفات أخرى يبدو ممكناً من خلال قراءة المواقف التي استبق بها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون انعقاد القمة، فتنال واشنطن جائزة معنوية بالإعلان «عن التعاون لمنع أيّ استخدام للسلاح الكيميائي»، مقابل إعلان التمسك بحلّ سياسي يتّسع للجميع من دون شروط مسبقة يحفظ وحدة سورية وبقاء مؤسساتها، وفقاً لما يقوله كيسنجر في نصائحه لترامب بعدم الاستثمار «بالفوضى» في سورية، لأنّ العواقب ستكون وخيمة، وأن ربط الحرب على «داعش» بأمور تتعلق بإيران يشكل فشلاً أمريكياً وتدعيماً لمخاطر بقاء «داعش»، ليكون البديل تعزيز مؤسسات الدولة السورية واستردادها كامل الجغرافيا السورية والتعامل معها كدولة مسؤولة عن حفظ الأمن والحدود، هو الخيار الصحيح والحل الممكن والأصوب.
نعود إلى القول: إن ترامب بحاجة إلى مسايرة الكرملين لأسباب عديدة، أولها أنه ليس في وضع جيد داخلياً ولا خارجياً، فالتحقيقات في داخل الولايات المتحدة مستمرة حول فضائح كثيرة، وفي مقدمها مقولة «القرصنة الإلكترونية والعلاقة مع شخصيات روسية»، لذلك هو بحاجة إلى موسكو لنفي ذلك نفياً قاطعاً وإثبات عدم وجود أدلة، وخارجياً هناك تحديات بالجملة تواجهه على أكثر من جبهة، فترامب في قمة هامبورغ مختلف مع الجميع حتى أن المراقبين أطلقوا عليها قمة الخلافات باستثناء ما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب، وصرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لدى وصولها إلى هامبورغ «إننا لن نغطي خلافاتنا».
وقد يجد ترامب وتجد الولايات المتحدة التي خرجت عن اتفاق المناخ بباريس نفسها وحيدة في مواجهة الجميع إذا ما لوحت أيضاً بنزعة رئيسها الحمائية ضد الصين بشأن المعادن وضد ألمانيا بشأن قطاع السيارات.. ومن جانبها، حذرت الرئاسة الفرنسية من أنه إذا كانت الإجراءات ستمس الصادرات الأوروبية، فسيكون علينا الرد بشكل سريع ونحن نستعد لذلك، كما أكدت ميركل أن المباحثات بين الوفود بشأن المناخ لن تكون «سهلة في الواقع» رافضة أي تخمين بشأن احتمال التوصل إلى تسوية، وترى المستشارة الألمانية، التي تشهد علاقتها توتراً مع ترامب، أن زمن التحالف الثابت مع الولايات المتحدة «قد ولّى»، وتدعو إلى صحوة أوروبية..
مهما قيل عن اللقاء الذي جمع بوتين مع ترامب في هامبورغ والكيمياء الإيجابية بينهما فإنه في المحصلة لم يمس بموقف روسيا الثابت، بل يصب في مصلحة الرئيس بوتين لجهة الإقرار بدور رئيس لروسيا في القضايا التي جرى النقاش بشأنها ومنها الوضع في سورية والقضية الأوكرانية، وما الاتفاق على لجان التنسيق العسكرية والسياسية والاقتصادية المشتركة إلا تعبير عن مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، حيث تبدأ بوضع قواعد اشتباك وليس ببلوغ تفاهمات كبرى، لأن التفاهمات الكبرى يترتّب على نضوجها سلسلة لقاءات مكوكية بين الوزيرين سيرغي لافروف وتيلرسون وخبراء يكتبون تفاهماً مفصلاً لكلّ ملف، توضع معه روزنامة موازية وصولاً لإلغاء العقوبات الأمريكية على روسيا مستقبلاً وانحسار التوتر.
لا نعتقد أن لدى موسكو من أوهام أن طريق العلاقات الروسية – الأمريكية سيكون مفروشاً بالورود والرياحين بعد لقاء الرئيسين وقد تتغير الأمور في أي لحظة وتنقلب رأساً على عقب لعدم وجود مصداقية لدى الطرف الأمريكي كما جرى كثيراً في المرات السابقة، لكن يمكن القول: إن ما بعد هذا اللقاء في المرحلة الراهنة لن يكون كما قبله، فالتوترات الحادة التي سبقت اللقاء إلى درجة وضع الإصبع على زناد المواجهة بينهما ستتراجع، وإن ثمة بعض التفاهم، ولو جزئياً، وإن كان غامضاً وهشاً حول الوضع بشأن الأزمتين في سورية وأوكرانيا قد حصل.
والخلاصة، إن سقف التوقعات للقاء الرئيسين كان منخفضاً جداً، ويبدو أن الكيمياء الإيجابية بين الرجلين قد فعلت فعلها ورفعت منسوب التفاؤل وهذا ما ظهر في تصريحات كل منهما بعد لقائهما الطويل على هامش قمة هامبورغ، وبات مؤكداً أن المواجهة المفتوحة قد باتت مستبعدة حالياً، وأن الطريق للتعاون والعمل لحل مختلف القضايا الدولية قد غدا مفتوحاً ونسب محصلاته مرهونة بتطور العلاقات وتجاذباتها بين البلدين في الأيام القادمة.
tu.saqr@gmail.com

print