تابع العالم أجمع، ولاسيما في المنطقة العربية، وقائع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية والقمم الثلاث التي عقدت في إطارها، بحضور عدد كبير من رؤساء الدول العربية والإسلامية، وانتظر الجميع النتائج التي ستسفر عنها، حيث نظر بعضهم إلى مقرراتها وكأنها «قدر محتوم وناموس سيحكم الشعوب والمجتمعات»، انطلاقاً من أن قوة كبرى عالمية تجتمع مع أغنى الدول العربية والإسلامية «لتقرير مصير المنطقة وإيجاد حلول للبؤر المتوترة فيها».
لاشك في أن الزيارة وما تخللها من قمم، حدث كبير لا يستهان به، ولا يقابل باللامبالاة، وإذا تساءلنا: ماذا أراد الرئيس ترامب من هذه الزيارة؟ بالطبع هو أراد تحقيق مجموعة من الأهداف منها:
1-استنزاف الدول العربية الغنية، وفي مقدمتها السعودية، مالياً لدعم الاقتصاد
الأمريكي الذي يعاني من مشكلات كثيرة ومعقدة، فهو جاء بعقلية التاجر، وجابي الأموال، ومحصل الضرائب العثماني القديم الذي يفكر بالعائدات والأرباح قبل أن يلقي التحية على مستضيفه، وتالياً زيارته للمنطقة ليست فقط لتكريس الهيمنة الأمريكية عليها، بل ليحقق مردوداً مالياً يغذي الخزينة الأمريكية وينعش الاقتصاد الأمريكي، وكان له ما أراد من خلال صفقات الأسلحة الضخمة وعروض الاستثمار الهائلة التي قدمت لبلاده، إضافة إلى الهدايا الشخصية لترامب وزوجته وابنته وتقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات.
2-التحشيد ضد روسيا في المنطقة، وفق استراتيجية وضعتها الإدارة الأمريكية لمواجهة الصعود الروسي ومساعي الرئيس فلاديمير بوتين لاستعادة دور بلاده كقطب أساسي في السياسة الدولية لا يمكن تجاهله، وإنهاء التفرد الأمريكي بالقرار الدولي.
3-محاولة ترامب «تحقيق سلام بين العرب و«إسرائيل»»، على أن يكون سلاماً شكلياً يخدم مصالح «إسرائيل» ويضمن «الاعتراف العربي بها، مع إلغاء حق العودة للفلسطينيين», علماً أن مثل هذا السلام الموهوم يحقق مصالح أمريكا و«إسرائيل» وبعض أنظمة الخليج العربي التي أصبحت مصالحها تلتقي وتتقاطع مع مصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية.
4-السعي الأمريكي المحموم لجعل السعودية «القائد»، الإقليمي في المنطقة، ومساعدتها على «التربع على عرش قيادة الدول العربية والإسلامية»، لكون السعودية تلتزم تماماً بالإملاءات الأمريكية عليها، وبحماية مصالح واشنطن خاصة والعواصم الغربية بشكل عام.
5-التحشيد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك للتعتيم على دورها والحدِّ من نهوضها الاقتصادي وقوتها العسكرية المتنامية، وشلّ قدرتها على مقاومة مخططات واشنطن للهيمنة على المنطقة واستمرار نهب ثروات شعوبها وبلدانها، وهذا التحشيد والتحريض على إيران، يلبي المطالب الإسرائيلية، ومن هنا لاحظ المتتبعون لزيارة تراب للسعودية و لـ«إسرائيل» أن التصريحات الإعلامية الأمريكية والسعودية جاءت في أغلبيتها معادية لإيران.
6-من أهداف الزيارة، أيضاً، دعم الإدارة الأمريكية الجديدة ممثلة بـ «ترامب» للملك سلمان وابنه محمد للإمساك بالسلطة في المملكة ومواجهة الأمراء السعوديين الآخرين المتضررين من سياسة الملك سلمان وولده محمد الذي يهيمن على كل شيء في المملكة بضوء أخضر من والده، تمهيداً لتسليمه الحكم وإبعاد الآخرين.
7-دعم السعودية بسبب فشلها في «إسقاط» الدولة السورية، وفشلها الذريع في حربها الظالمة على اليمن، وعدم قدرتها على تحقيق أي إنجاز من خلالها، إضافة إلى فشلها بالرهان على ما سمته «الربيع العربي»، إذ إن المملكة لجأت إلى الولايات المتحدة لمساعدتها في الخروج من هذه الهزائم بأقل قدر ممكن من الخسائر وحفظ ماء وجهها، عبر مثل هذا التحشيد وعقد مثل هذه القمم برعاية أمريكية.
بعد هذا العرض يبرز السؤال الآتي: ما النتائج المتوقعة لزيارة ترامب والقمم التي عقدت في سياقها؟
لاشك في أن محور المقاومة سيتصدى لكل ما قررته واشنطن والرياض في هذه القمم، وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً، يتضح للجميع أن سياسة الولايات المتحدة وممارساتها العدوانية أصابها الفشل، وسبق لواشنطن أن أتت بقوات متعددة الجنسيات بما في ذلك قوات «المارينز» الأمريكية إلى لبنان، لكنها خرجت من لبنان تجرّ أذيال الهزيمة، وسبق أن قصفت البوارج الأمريكية من البحر المدن والقرى اللبنانية لكنها لم تحقق أهدافها المرسومة، كما أن الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية، وبدعم من سورية، أسقطوا اتفاق 17 أيار الإذعاني، كذلك فشلت كل المحاولات «للقضاء» على المقاومة في لبنان، بل حققت هذه المقاومة انتصارات نوعية.
باختصار، ليس كل ما تخطط له الإدارة الأمريكية و«إسرائيل» وعملاؤهما قدراً لابد من أن يتحقق، لأن إرادة الشعوب أقوى ولا تقهر.

print