قال: كنت أقطف الياسمين من غيمة الصبح.. وصرت بعد ألف مدينة وقصيدة أقطف الورد من رماد الذكرى وتراب الأولياء.. قالت: هو الرماد سماد القصيدة المورقة.. لا تخش أدمع الغيم إن سكبت أدمعاً.. رب صبح تزهر بين يديه القصائد..
قال: مشيت عكس الشرق.. وصباحاتي خلف ظهري تأسو على ذكرى عباءة وأشرعة كانت تعاند ضجر الريح لتزهر في دمنا براعم الصبح والقصيدة.. قالت: شرع صدرك للحرية.. الصلاة درع لا ينفذ منه السأم.. عد للشرق حراً أبياً.. يليق بك التحليق عالياً.. ويليق باسمك المرتفع..
قال: هوذا دمي الشجي.. وفي مقلتي كلام نبي.. غير أني لا أرى الحزن في رماد الهوى يكحل جروح الشرق.. ولا أرى الماء في وجوه الرجال.. ولا أرى الحزن في دموع النساء.. قالت: زرعت الحرف بمقلتيك، وعيناك بوح القصيدة.. والمدى تلك القصيدة تدلك هناك متسع للبوح في حدقة الحرف الشجي..
قال: ربما أحط رحالي في دمي.. ربما وقصيدتي أرض ميعادي ولا بد لي.. لا بد لي من نارها لكي أحترق قالت: احتراقك في ذاتك مشع يضويني حرفك ويستبد.. قال: هي اللغة خلطت أسماءنا ودونها لن نقمش صباح الروح.. فهيت أصلحي ذات بينها وأصبحي لي بفصاحة البيت والمغزل .. وأيقظي بالحب على جور الزمان أيام العرب.. قالت: حيرانة أنا وأنت ترصف حجارة العمر بكلتا يديك كي ترفع اللغة السوية على أعمدة الروح ومقام الأولياء.. تأسرني ديارك وأنا هنا أحتاجك نبياً للحب في موطني..
قال: كيف نلبس النخلة ولا نحسن تجويد الحب.. ولماذا لا يغرد فوق أشجارنا النهر والرطب؟.. اسق العطاشَ رقص السماح والموتى أجنحة الدمار.. ويا ليت روحي في مشتهى البوح تشهد مجتنى القدس من بقايا خرائطنا العارية.. قالت: الخوف والموت هذا الدمار لي ورهج ضحايا نهاية الغبار عند سقف حلقي.. وأراني ألطم خد الصاعقة عن وجنتي.. وغربتي يا موت انهيار حول غربتي يعيد نعش أبي لأستر عريي.. والموتى عبروا مثواهم وغادروا اللحظات قديماً.. وتكاشفوا في مأمن وحرية.. وبقيت دون ذاكرة وحدي.. فاهدني من حروفك تعويذة أعلقها على دالية البيت لتختمر القصيدة..
قال: أعرف ما يوجع الأرض.. فاختبأت بغيمة قريبة فوق أعالي الرافدين.. وترجلت ثانية أزف إليك طقوس الفناء.. الحب فراق.. والموت مفترق اللغات.. والأرض واسعة تجدد الظلمات وتدور في قصيدتنا القتيلة.. فانتظريني في مثل هذا البرق على أبواب دمشق إني أريد العودة إلى السماء..
قال: وكمان الروح سؤال حزين.. وندائي.. يا ليتنا نعيد ترتيب ما كنا عليه من دمشق.. وعسانا مثلها نصير مثلها.. فاتحة البدء وفاتحة السلام.. قالت: إذاً، قل للحياة إن الفناء لن يغدر بالحب.. ويا ما كانت دمشق تقيل عثرتنا.. ويا ما اني أحب فيك الحياة .. وأعشق فيك جداول الغيث زمن التصحر.. وأراك يا سيدي عند باب المعاني مثل كل الشهداء.. تبتهل وتحتجب..

print