ت: محمد فندي
اتفق أهل الفنون الجميلة والهندسة المعمارية على أهمية أن يكون العمل المعماري فنياً وأن يكون للعمل الفني مرجعية علمية ذات فائدة، وذهب البعض إلى القول إن أي عمل فني لا فائدة منه لا يعوّل عليه، والبعض الآخر إلى القول بوحشة العمارة من دون تشكيل وإنّ الفن من دون عمارة هيولى سابحة في الفراغ، وفي كل مناسبة يتذكر أهل العاشقَين أنّهما كانا في بيت واحد قبل الانفصال في الستينيات.
جفاء علني وود باطني ترجمه طلاب العمارة والفنون التشكيلية لسنوات طويلة بمساندة بعضهم أيام الدراسة والامتحانات، لكنّهم ومنذ سنوات قريبة أشهروا هذا الود وتلاقوا في ورشة عمل لتحقيق هدف ثقافي فني ومعماري جديد.. عناق التّشكيل والعمارة أنجب الخريطة المعرفية والمعمارية لمدينة دمشق.
والخريطة المعرفية حسبما يعرفها معد ومحرر الورشة الدكتور إياس شاهين –عمارة- هي مقترح عمل فني معماري يهتم بقراءة فراغات المدينة عن طريق أسلوب رسم الخرائط المعرفية المعمارية لمدينة دمشق بأبعاد مختلفة في إدراك فراغاتها ورصد الصورة الذهنية لها، يقول شاهين: دائماً نقرأ المدينة بطريقة مخطط أبيض وأسود وأحياناً ملوّن، ونتحدث عن كتلة وفراغ، لكن ماذا يحدث فيها وكيف يمكن أن نحس بها أكثر من كونها مجرد خطوط؟ أي شخص يريد معرفة المدينة بشكل صحيح يجب ألّا يرى الشارع فقط، بل عليه أن يرى سلوك الناس ويشعر به إن كان إيجابياً يراعيه وإن كان سلبياً يرفضه، يضيف: الخريطة المعرفية المعمارية مفهوم قديم قليلاً وله جانب فني ومهني معماري، في أي عمل عندما نريد اقتراح أي شيء تأخذنا الأفكار إلى أماكن بعيدة عن الواقع، لكن الصحيح هو قبل أن نقدّم أي شيء يجب أن نشخّصه، وهذا ما نحاول تقديمه بالموضوع أي تحليل المدينة بشكل صحيح وقراءتها بمجمل أبعادها السلوكية: الرائحة واللون والتصرف والمشاعر، هذه الخرائط تعطي بيانات من المعرفة للمدينة ومع بعضها تتكامل لتعطي خريطة معرفية للمدينة، الجانب الفني هو أن رسم الخريطة فن في حدّ ذاته وحرفة أيضاً، من يقرأ الخريطة قد يفهمها أو لا، هنا يجب أن يفهمها، العمل الفني يفضل أن يكون التأويل مفتوحاً أما هنا فيوجد دليل.
يتضمن المعرض أربعاً وثلاثين لوحة، بعضها أُنجز على شكل مجموعات ثم تجمّعت لتقدّم معلومة متراكبة لطلاب تمّ ترشيحهم من كلتا الكليتين، يبين شاهين: رشّحنا طلاب عمارة لديهم المقدرة على تقديم شيء جميل وجيد وركّزنا على العمل التشاركي والنقاش والعمل الفني.
بدورها، الدكتورة منال حمادي- عضو مجلس إدارة في المركز الوطني للفنون البصرية الذي يستضيف المعرض والنائب الإداري لكلية الفنون الجميلة ترى أنّ أهمية هذه الورشة تأتي من العمل المشترك والتعاون بين الكليتين، ولاسيما أنه لا اختلاف بينهما، تتابع: هذه تجربة أولى ترفع من مستوى الطلاب وفكرة العمل وتقديم العرض كأنّه تشكيلي رغم أنّه معلوماتي وهذا أمر مهم، فكانت النتائج مهمة.
وبالسّؤال عن مشاركة طلاب الفنون ومستواهم، تجيب حمادي: تدخّلهم كان بسيطاً وأغلب الأعمال للعمارة، لكن حاولوا أن يضعوا بصمتهم.
يتبع المقترح أسلوب العمل التّشاركي لطلاب العمارة والفنون، وتقسم الورشة إلى أربع مراحل، الأولى استقرائية عصف ذهني ورصد معرفة المشاركين بموضوع العمل، والثّانية تعريفية تتضمن محاضرة تعريفية بموضوع المقترح وأساليب التّعبير، أما الثالثة فتنظيمية حيث يوزع المشاركون في مجموعات عمل، بينما تقسم المرحلة الرابعة إلى ثلاث مراحل تتضمن تقديم دراسة أولية ووضع صيغة متكاملة من المنتج النهائي ومرحلة نهائية هي تقديم المنتج، تقول المشاركة يارا موسى – فنون جميلة سنة رابعة-: محور العمل يبدأ من ساحة الأمويين وينتهي عند محطة الحجاز، وأنا أخذت تقريباً المحور كلّه، جسدت اللون، وعبّرت عنه بالمربعات، أعطتني التجربة أفكاراً جديدة تعلمنا شيئاً جديد لم نكن نعرفه.
أمّا المشاركة ماجدة مالو – طالبة عمارة- فاشتغلت بأسلوب آخر، تبيّن: درسنا محوراً كاملاً أثره ونمط الحياة فيه، وعملي يعكس مفاصل الحركة لكون هناك مفاصل قسرية وبعضها اختياري كالساحات وغيرها.
أنجزت الورشة خلال ستة أيام من الأحد 30/10/2016 حتى السبت 5/11/2016 كان على فريق العمل أن يقرأ الكثير وينزل إلى الشارع ويعمل أكثر ليقنع الآخرين بموضوع العمل، هذه كانت صعوبة، أما الصّعوبات الأخرى فتكمن -حسب شاهين- في ضبط الآراء المختلفة وجعلها مفيدة أكثر، يضيف: تنظيم العمل كان ضرورياً وصعباً لأنّه تشاركي ويجب أن يرضى عنه الجميع، فالعمل الجماعي بالنسبة إلي أصعب بكثير من الفردي.
تجربة جديدة في نقل المعرفة من الشّارع إلى الورق طريقة مختلفة كانت نتيجتها جميلة جداً حسب الأستاذ الدكتور زياد المهنا المشرف العلمي وعضو مجلس إدارة في المركز الوطني للفنون البصرية، يقول: لقد فاق المنتج النّهائي التّصّور بنضجه وتعبيره فكان عبارة عن خرائط معرفية رصدت كل أشكال الإدراك البصري والحسي، المعمارية والفنية والسمعية والحركية كما البيئية.
استضاف المركز الوطني للفنون البصرية الورشة منذ بداياتها فكانت المحاضرات والاجتماعات والنقاشات والعمل، يقول مدير المركز الأستاذ غياث الأخرس: الورشة فيها تفكير جديد، درسوا المحور بشكل جميل وهو محور مخطط له أن يكون حياً ثقافياً في المستقبل، وهذه خطوة أولى وبداية لمشروع، ونتمنى أن يرى نتائجه بقية طلاب الفنون والعمارة المعرض.
وبالسّؤال عن ضرورة وجود جهة رسمية تتبنى هذه الخريطة لأنها تندرج ضمن العمل التّوثيقي أيضاً، يجيب الأخرس: نأمل أن يكون هناك طرف نكمل معه كمؤسسة رسمية نتمنى ألا يبقى لوحة فقط.
تجربة وعمل أجمع الحضور على صعوبته وأهميته، وضرورة استمراره وتطويره وشرحه للمتفرج العادي، من هذا الباب اقترحت الأديبة ناديا خوست إضافة معلومات لكل لوحة لمعرفة الأماكن التي زارها المشاركون كي لا نكتفي برموز أو إشارات، تقول: يجب أن يعرف المتفرج في أي حي حصل التّلوث، مثلاً محطة الحجاز مختلفة تماماً عن مناطق المزة، وهذا يؤشر إلى تنوع الشرائح التي تسكن في دمشق أيضاً، كنت أتمنى ربط هذه الانطباعات والرموز بالعلاقة بين المساحات الخضراء والمساحات المبنية وهذه مسألة أساسية يجب توضيحها، يجب أن نقدم للمتفرج المجسدات التي هي عادة قريبة منه.

print